انتخابات إسرائيل.. نتنياهو وآيزنكوت أمام حسابات وينتر والقضاء

لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وفق قراءة سياسية إسرائيلية، مجرد منافسة على رئاسة الحكومة، بل تتداخل فيها حسابات تشكيل الائتلاف المقبل، ومستقبل حزب عوفر وينتر، وتركيبة المحكمة العليا والجهاز القضائي. وتضع هذه الملفات كلاً من بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت أمام حسابات سياسية معقدة مع اقتراب الاستحقاق من مراحله الحاسمة.
ويرى الكاتب الإسرائيلي ماتي توخفيلد أن الجدل الذي أثاره فيلم “نزا” بعد فوز مخرجيه في مهرجان البندقية أعاد ترتيب مواقف القوى السياسية الإسرائيلية، بعدما انقسمت الساحة بين مؤيدين للفيلم ومنتقدين له وآخرين اختاروا الصمت، بما كشف، وفق قراءته، اختلاف المواقف بشأن قضايا الحرب والأمن والسياسة.
ائتلاف المعارضة
وبحسب توخفيلد، تشير الحسابات الانتخابية والاستطلاعات إلى صعوبة تشكيل حكومة من أحزاب المعارضة اليهودية وحدها، ما قد يجعل التعاون مع حزب عربي واحد على الأقل، وربما حزبين، عاملاً حاسماً في أي محاولة لتشكيل حكومة بديلة لنتنياهو.
ويضيف أن مشاركة حزب “الديمقراطيين” في مثل هذا الائتلاف تبدو، وفق تقديره، احتمالاً قوياً، بينما لم تدن الأحزاب العربية، ومنها “راعام” والقائمة المشتركة، وكذلك “الديمقراطيون”، فيلم “نزا” أو صانعيه.
ويشير إلى أن بعض أعضاء هذه القوى انتقدوا مهاجمي الفيلم، وتبنوا مواقف ترى أن الحرب في غزة كانت ذات طابع سياسي، وأن العمليات العسكرية أوقعت ضحايا وكان يمكن إنهاؤها في وقت أبكر، إلى جانب انتقادات لاستخدام الجيش الإسرائيلي قوة مفرطة.
حسابات الحكومة المقبلة
ويرى الكاتب أن دخول هذه القوى إلى حكومة مقبلة سيمنحها حضوراً في المجلس الوزاري السياسي والأمني والمنتديات الأمنية المصغرة، فضلاً عن نفوذ داخل الوزارات التي قد تتولاها.
وبذلك، قد يجد رئيس الحكومة المقبل نفسه مضطراً إلى أخذ مواقف هذه الأحزاب في الاعتبار، سواء كان آيزنكوت أو أفيغدور ليبرمان أو نفتالي بينيت، بحسب السيناريو الذي ستفرزه الانتخابات.
ويستعرض توخفيلد عدداً من شخصيات حزب “الديمقراطيين”، بينهم يائير غولان وغابي لاسكي وموشيه رادمان أفوتبول، مشيراً إلى خلفياتهم السياسية والقانونية وأدوارهم السابقة في الاحتجاجات والحياة العامة.
معضلة نتنياهو
في المقابل، يرى توخفيلد أن نتنياهو يواجه حسابات مختلفة، إذ يصعب عليه تشكيل حكومة من دون الأحزاب الحريدية.
ويشير إلى أن أرييه درعي ويتسحاق غولدكنوبف ويعقوب آشر سيطالبون بدور سياسي وموازنة لقضايا المدارس الدينية والمؤسسات والاحتياجات الدينية، ما يجعلهم طرفاً أساسياً في أي ائتلاف يقوده نتنياهو.
ومن هنا يطرح الكاتب معادلة انتخابية تتعلق بأولويات الناخب، بين حكومة قد تعتمد على تسوية بشأن إعفاء أعداد كبيرة من طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، وحكومة أخرى قد تحتاج إلى دعم قوى عربية تواجه انتقادات من خصومها بشأن مواقفها من حركة حماس.
وينتر في الواجهة
في قلب هذه الحسابات يبرز عوفر وينتر، الذي أصبح، وفق المقال، مصدر قلق انتخابي لكل من نتنياهو وآيزنكوت.
ويكشف توخفيلد عن عقد مشاورات داخل مقر الليكود خلال الأسبوع، بعضها بحضور نتنياهو، لبحث طريقة التعامل مع وينتر بعد إغلاق القوائم الانتخابية.
وبحسب المقال، اتجهت الخطة الحالية إلى محاولة جذب ناخبين من وينتر ودفعه إلى الانسحاب، إلا أن المداولات لم تحسم الموقف بصورة نهائية.
ويرى بعض المقربين من نتنياهو، وفق الكاتب، أن وينتر قد لا يكون بالضرورة عبئاً على معسكر اليمين، بل ربما يصبح عاملاً مؤثراً في تأمين أغلبية برلمانية، نظراً إلى قدرته المحتملة على جذب أصوات من ناخبين موجودين حالياً لدى ليبرمان وبينيت وآيزنكوت.
نسبة الحسم
ويحدد توخفيلد مصدرين رئيسيين لقلق نتنياهو من وينتر: الأول احتمال عدم تجاوز حزبه نسبة الحسم، بما قد يؤدي إلى ضياع أصوات من معسكر اليمين، والثاني الشكوك المتعلقة بمدى التزام وينتر الكامل بالمعسكر الذي يسعى إلى دعمه.
لكن الكاتب يرى أن العامل الأول يبقى الأكثر أهمية، إذ تشير التقديرات التي ينقلها عن استطلاعات وفحوص داخلية في الليكود إلى أن فرص حزب “عمخا إسرائيل” في تجاوز نسبة الحسم لا تزال محدودة، فيما قد تكون فرص تجاوزه بالاشتراك مع حزب بتسلئيل سموتريتش أكثر تعقيداً.
ولهذا اتجه نتنياهو، في المرحلة الحالية، إلى محاولة إخراج وينتر من السباق، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مراجعة القرار لاحقاً.
سباق مع الوقت
دخل وينتر السباق الانتخابي في مرحلة متأخرة، ما قلّص الوقت المتاح أمامه لإثبات حجم قوته الانتخابية من خلال الاستطلاعات.
ومن المتوقع، وفق القراءة الواردة في المقال، أن تستمر محاولات نتنياهو خلال الأسابيع المقبلة لدفع وينتر إلى الانسحاب، على أن يعاد تقييم الموقف مع اقتراب موعد الانتخابات.
أما إذا تمكن وينتر من جذب أصوات من اليمين الموجود حالياً لدى ليبرمان وبينيت وآيزنكوت، وحافظ حزبه على استقرار في الاستطلاعات، فقد يضطر نتنياهو إلى إعادة النظر في حساباته.
آيزنكوت أيضاً
ولا يقتصر تأثير وينتر على نتنياهو، إذ يرى توخفيلد أن آيزنكوت يواجه بدوره تداعيات صعوده.
ويقول إن رئيس الأركان الإسرائيلي السابق يشعر بالإحباط بسبب عدم حصوله على اعتراف صريح من جميع القوى في معسكره بأنه المرشح لرئاسة الحكومة باعتباره رئيس الحزب الأكبر فيه.
كما أثارت التقارير عن علاقة خاصة بين وينتر وليبرمان مخاوف لدى آيزنكوت، في ظل احتمال مطالبة ليبرمان برئاسة الحكومة أو بالتناوب عليها، رغم الفارق المتوقع في عدد المقاعد بين حزبه وحزب “ياشار!” الذي يقوده آيزنكوت.
وكان آيزنكوت قد اعترض سابقاً على هذا السيناريو، معتبراً في مقابلة أن رئيس حزب يملك 8 أو 9 مقاعد لا يمكنه المطالبة برئاسة الحكومة.
تقارب انتخابي
ويعتقد توخفيلد أن تجاوز وينتر نسبة الحسم قد يمنح ليبرمان ورقة سياسية إضافية، تسمح له باستخدام حزب “عمخا إسرائيل” لتعزيز موقعه في مفاوضات تشكيل الحكومة.
ولم ينهِ السجال العلني الذي وقع بين وينتر وليبرمان هذا الأسبوع مخاوف آيزنكوت، إذ رأى الكاتب أن المواجهة بين الرجلين لم تبدُ حادة بالقدر المتوقع.
كما يشير إلى لقاء جمع ليبرمان وبينيت لتنسيق المواقف قبل الانتخابات، معتبراً أن مجمل هذه التطورات زاد الضغوط السياسية على حملة آيزنكوت.
وثيقة الولاء
ويربط توخفيلد هذه المخاوف بفكرة طُرحت داخل حزب آيزنكوت بشأن توقيع المرشحين على “وثيقة ولاء”، تضمن بقاء الكتلة موحدة بعد الانتخابات حتى في حال اتخذ الحزب قرارات لا تتوافق مع قناعات بعض أعضائه.
وبحسب المقال، كان المقترح يقضي بأن يعيد العضو الذي لا يستطيع دعم قرارات الحزب مقعده ويستقيل من الكنيست.
ويطرح الكاتب تساؤلات بشأن طبيعة السيناريو الذي دفع إلى طرح مثل هذه الفكرة، وهل يتعلق باحتمال الجلوس مع ليبرمان أو بينيت أو التعاون مع “راعام”.
“راعام” والقضاء
وينتقل النقاش إلى ملف “راعام” والمحكمة العليا، حيث يستعرض توخفيلد اتهامات وردت في تحقيقات نشرها منتدى العائلات الثكلى “نختار الحياة” بشأن صلات مزعومة بين الحزب، الذي يمثل الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية، وحماس وجهات مرتبطة بها.
وبحسب ما ينقله الكاتب عن تلك التحقيقات، جرى تتبع أموال من جمعيات قيل إنها مرتبطة بـ”راعام” ومسؤوليها إلى جهات مرتبطة بحماس، بينما أغلقت السلطات بعض تلك الجمعيات.
ويستعيد الكاتب أيضاً محاولة منع “راعام” من خوض الانتخابات السابقة، والتي انتقلت بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية إلى المحكمة العليا.
وبحسب عرضه، قدمت المستشارة القضائية للحكومة آنذاك رأياً يستند إلى تقييم من جهاز “الشاباك” لم يجد أساساً للمزاعم المتعلقة بدعم مثبت لحماس.
ويشير توخفيلد إلى أن معطيات وتحقيقات جديدة ظهرت منذ ذلك الحين، وأن قيادة “الشاباك” تغيرت، قبل أن يعبر عن شكوكه في إمكانية منع المحكمة العليا الحزب من المشاركة في الانتخابات.
المحكمة العليا
ويستند الكاتب في قراءته إلى سوابق قضائية وسياسية إسرائيلية، مستحضراً حالات لشخصيات عربية مُنعت من الترشح في مراحل سابقة ثم سمحت لها المحكمة العليا بالمشاركة، قبل أن تواجه بعض تلك الشخصيات لاحقاً قضايا أو اتهامات أمنية وقضائية.
ويستخدم هذه السوابق لطرح تساؤلات بشأن حدود تدخل المحكمة العليا في منع الأحزاب والقوائم من خوض الانتخابات، ولا سيما في القضايا التي تتضمن اتهامات سياسية أو أمنية متنازعاً عليها.
معركة الإصلاح القضائي
ولا يتوقف الصراع الانتخابي عند تشكيل الحكومة، إذ يضع توخفيلد مستقبل الجهاز القضائي في صلب انتخابات 2026.
فقد عرض بتسلئيل سموتريتش وسمحا روتمان خطة جديدة أطلقا عليها “2.0” للإصلاح القضائي، لتكون مطروحة أمام الكنيست المقبل.
ويرى الكاتب أن الخطة قابلة للنقاش والرفض، لكنه ينتقد في الوقت نفسه آيزنكوت وبينيت وليبرمان بسبب حديثهم عن الحاجة إلى تغييرات في الجهاز القضائي من دون طرح برامج تفصيلية مماثلة.
وبحسب المقال، تتحدث هذه القوى عن خطط لأول 100 يوم وعن فرق عمل وأولويات حكومية، لكنها لم تقدم حتى الآن، وفق توخفيلد، تصوراً مفصلاً بشأن إصلاح القضاء، باستثناء الدعوة إلى تنفيذ التغييرات بالتوافق.
تغييرات مرتقبة
ويرى الكاتب أن الحكومة المقبلة ستشهد، في جميع الأحوال، تغييرات واسعة في المنظومة القضائية، سواء قادتها قوى اليمين أو المعارضة، حتى من دون تمرير قوانين جديدة.
ويستند في ذلك إلى قرب انتهاء ولاية عدد من القضاة والمسؤولين، إذ ستكون الحكومة المقبلة أمام تعيين ثمانية قضاة في المحكمة العليا نتيجة التقاعد وبلوغ سن التقاعد، إلى جانب تعيين مستشار قضائي جديد للحكومة ومدعٍ عام للدولة وعدد من المسؤولين في أجهزة إنفاذ القانون.
ويعتبر توخفيلد أن هذه التغييرات البشرية والمؤسساتية قد تؤثر في شكل المنظومة القضائية خلال السنوات المقبلة، بغض النظر عن مصير القوانين التي طرحتها الحكومة الحالية.
انتخابات بأكثر من معركة
وفق القراءة التي يقدمها توخفيلد، تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية المقبلة سؤال هوية رئيس الحكومة إلى معركة أوسع حول تشكيل الائتلاف، ووزن عوفر وينتر، وطبيعة التحالفات الممكنة، ومستقبل المحكمة العليا وأجهزة إنفاذ القانون.
وبين حسابات نتنياهو بشأن أصوات اليمين، ومحاولات آيزنكوت تثبيت موقعه داخل معسكر المعارضة، والمنافسة بين ليبرمان وبينيت ووينتر، تبرز ملفات القضاء والائتلافات المحتملة كعوامل قد تحدد شكل المرحلة السياسية المقبلة، في انتخابات تتقاطع فيها الحسابات الحزبية مع ملفات أمنية ومؤسساتية شديدة الحساسية.



