ربحية الإبادة: تناقض أممي بشأن غزة

خاص – نبض الشام
في قلب التناقض الدولي الأخير، ظهر تقرير أممي جديد تكشفه المقرّر الخاص للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، مشيرة إلى تورّط أكثر من ستين شركة كبرى في دعم العدوان الإسرائيلي على غزة والمستوطنات في الضفة الغربية. إذ يحاول المجتمع الدولي التظاهر بالمساءلة ودفن الدمار الإنساني تحت غطاء القوانين والمبادئ، بينما تُثبت الوقائع أن الربح هو الدينامو المحرّك للحرب.
أولاً: محتوى التقرير وأبرز نتائجه
التقرير المعدّ من 27 صفحة, استند إلى أكثر من 200 تقرير من حكومات ومنظمات حقوقية وأكاديميين، وأكد أن “الإبادة الجماعية الإسرائيلية مستمرة لأنها مربحة لكثيرين”
تم إدراج أكثر من 60 شركة، تشمل شركات أسلحة مثل لوكهيد مارتن وليوناردو وكاتربيلر وHD هيونداي، وشركات تكنولوجيا مثل ألفابت (غوغل)، أمازون، مايكروسوفت، IBM وبالانتير .
اتهمتها ألبانيز بتزويد الاحتلال بأسلحة ثقيلة وأدوات مراقبة متقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، تُستخدم في تدمير البنية التحتية الفلسطينية، فضلاً عن دعمها المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.
ثانياً: الربح والهمجية
أكدت ألبانيز أن الربح هو ما يحافظ على استمرار القمع، حيث تربط هذه الشركات “مالياً بنظام الفصل العنصري والعسكرة الإسرائيلي” .
من جانبها، نفت الشركات تورطها أو لم ترد على الاتهامات، بينما رفضت إسرائيل التقرير ووصمته بأنه “يفتقر لأي أساس قانوني”
وفي ظل هذه الأزمة، يشكو القطاع الصحي في غزة من مقتل أكثر من 56 ألف فلسطيني، وتحويل القطاع إلى أنقاض جراء الهجمات المُعلنة كـ”دفاع عن النفس” .
ثالثاً: التناقض في الأدوات الأممية
رغم أن التقرير سيقدّم أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المكوّن من 47 عضواً، لكنّ هذا المجلس لا يتمتع بصلاحيات قانونية ملزمة؛ مما يُبرز التناقض بين “التحقيقات الجادة” وغياب وسائل التنفيذ، خاصة بعدما انسحبت إسرائيل والولايات المتحدة، متهمة المجلس بالتحيّز .
من جهة أخرى، سبق أن صدر دليل مشابه في يونيو 2023 يتضمن شركات مرتبطة بالمستوطنات فحسب، لكن التقرير الجديد تجاوز ذلك إلى تغطية الحرب على غزة بشكل كامل، بما في ذلك التوصية بمحاكمة المسؤولين التنفيذيين دوليًا ووقف التعاون التجاري مع الاحتلال.
رابعاً: الآفاق القانونية
رغم عدم إلزامية قرارات مجلس حقوق الإنسان، فإن التحقيقات السابقة ساهمت في فتح دعاوى قضائية دولية، ما يفتح الباب أمام استخدام آليات العدالة الدولية ضد الشركات المتورطة.
على سبيل المثال، دعا الاتحاد الأوروبي ودول مثل كندا وبريطانيا إلى مراجعة قانونية، بل طُرحت مقترحات لسنّ قوانين تكنولوجيا أو عقوبات مالية تستهدف العلاقات المؤسسية التي تدعم الاحتلال .
خيار إنساني
التقرير الأخير يُظهِر بشكل صارخ التناقض بين الخطابات الإنسانية الأممية والحاجة العملية للمحاسبة الواقعية، إذ تُركّز الأمم المتحدة على “التحقيقات والتوصيات” بينما تستمر الشركات في جني الأرباح، والأرواح تُزهق على أرض غزة.
إنّ تسليط الضوء على دور المؤسسات الخاصة في الحرب يضع العالم أمام خيار واحد: إما أن يتحوّل المجتمع الدولي إلى جهة فاعلة تتمكن من محاسبة المتورطين، أو يظل رهينة أخلاقيات ضعيفة تتمخّض عن بيانات عاجزة. في النهاية، فإن الربح الكبير لن يكون مشروعاً إذا كان يبني على جثث المدنيين الفلسطينيين، وعندها فقط سيختصر التناقض بين الربح والعدالة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




