أزمة إيران تعيد رسم التحالفات.. هل يتراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط؟

تتجه الأزمة الإيرانية إلى فتح نقاش أوسع من حدود المواجهة العسكرية أو مستقبل المفاوضات، بعدما بدأت تداعياتها تنعكس على شكل التحالفات الأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط. ومع استمرار المخاطر المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي، وحدود التزام واشنطن بأمن حلفائها في الخليج.
ويرى محللون أن السياسة الأمريكية خلال الأزمة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المواجهة مع إيران، بل يجب ربطها أيضاً بحسابات الطاقة، وحماية طرق التجارة، ومنع اتساع رقعة الحرب بما يهدد المصالح الأمريكية المباشرة.
الطاقة في قلب الحسابات الأمريكية
يشكل مضيق هرمز أحد أبرز عناصر الضغط في الأزمة، باعتباره ممراً رئيسياً لحركة صادرات الطاقة من الخليج. وأظهرت التطورات الأخيرة أن اضطراب الملاحة في المنطقة يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في أسواق النفط والغاز، حتى مع استمرار جزء كبير من الصادرات عبر الممرات البحرية.
وفي قراءة يقدمها بعض الباحثين، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار يمنح الولايات المتحدة مساحة أوسع لإدارة ملف الطاقة والتأثير في خيارات حلفائها الأوروبيين والخليجيين. لكن هذا التفسير يبقى محل نقاش، ولا توجد أدلة مستقلة كافية لإثبات أن واشنطن تتعمد إطالة الأزمة بهدف تحقيق مكاسب من ارتفاع أسعار الطاقة.
الأوضح أن الأزمة دفعت دول المنطقة إلى إعادة حساب مخاطر الاعتماد الكامل على القوة الأمريكية، خصوصاً بعدما وجدت نفسها أمام تهديدات أمنية متزامنة في الخليج والبحر الأحمر.
اختبار جديد للعلاقة مع الرياض
برز هذا الجدل بصورة أكبر في الملف اليمني. ففي 11 أيلول/سبتمبر، أفادت «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس دونالد ترامب توجيه ضربات أمريكية ضد الحوثيين، إلا أن ترامب رفض في ذلك الوقت التدخل العسكري المباشر، مع استمرار واشنطن في تقديم معلومات استخباراتية وبيانات استهداف.
لاحقاً، بحثت الإدارة الأمريكية مجدداً إمكانية تنفيذ ضربات، لكنها قررت عدم فتح جبهة عسكرية جديدة، بينما واصلت السعودية وقوات الحكومة اليمنية التحرك ضد الحوثيين.
هذه التطورات غذّت نقاشاً خليجياً أوسع حول حدود الضمانات الأمريكية، وحول ما إذا كانت دول المنطقة بحاجة إلى تطوير قدرات دفاعية وتحالفات أكثر استقلالاً.
تحالف مكة.. إشارة إلى مرحلة مختلفة
في 7 آب/أغسطس، وقعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ونص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون في المجالات الدفاعية والأمنية.
ولا يعني الاتفاق، وفق التصريحات الصادرة عن الدول المشاركة، الانسحاب من التحالفات القائمة أو تشكيل منظومة موجهة ضد طرف محدد. فقد أكدت تصريحات باكستانية أن الاتفاق دفاعي ويهدف إلى الردع الجماعي، فيما بدأت الدول الثلاث خطوات لتأسيس آليات أكثر مؤسسية للتعاون.
لكن توقيت الاتفاق يمنحه دلالة سياسية مهمة، إذ جاء وسط اضطرابات إقليمية واسعة، ما يجعله أحد المؤشرات على رغبة دول مؤثرة في بناء قدرات أمنية إقليمية موازية، أو على الأقل أكثر استقلالاً في اتخاذ القرار.
العراق نموذج آخر
ويأتي ذلك بالتزامن مع اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق في نهاية أيلول/سبتمبر، ضمن انتقال المسؤولية الأمنية إلى القوات العراقية، مع استمرار الدعم الأمريكي في مجالات التدريب والاستخبارات.
ويرى بعض الباحثين أن التجربة العراقية تفتح نقاشاً حول إمكانية إعادة صياغة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، من انتشار مباشر واسع إلى شراكات أمنية تعتمد بدرجة أكبر على القوات المحلية.
وبذلك، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة ترتيب تدريجية للتحالفات. فالأزمة الإيرانية لم تعد مجرد اختبار للعلاقة بين واشنطن وطهران، بل أصبحت أيضاً اختباراً لمدى اعتماد دول الشرق الأوسط على الضمانات الأمريكية، وقدرتها على بناء ترتيبات أمنية خاصة بها في ظل تغير أولويات القوى الكبرى.




