أخبــارتقارير

15. حسابات الميدان والمال.. لماذا يتريث ترامب أمام إيران؟

يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معادلة عسكرية ومالية معقدة بشأن استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، في ظل الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية خلال المواجهات السابقة، واستمرار قدرة طهران على الرد واستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. وبين التهديد بتوجيه ضربات جديدة ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة طويلة، تبرز كلفة الحرب واستنزاف الذخائر والمعدات بوصفهما عاملين مؤثرين في حسابات واشنطن.

ورغم حشد الولايات المتحدة قوة بحرية كبيرة تضم ثلاث مجموعات قتالية لحاملات الطائرات، فإن فاتورة المواجهة السابقة، التي تجاوزت 43 مليار دولار وفق التقديرات الواردة في التقارير، تثير تساؤلات بشأن جدوى استئناف العمليات العسكرية، والنتائج التي يمكن أن تحققها الضربات الإضافية في مقابل الأعباء المالية والمخاطر الأمنية المتوقعة.

وتتداخل هذه الحسابات مع اعتبارات سياسية داخلية، إذ تعهد ترامب بعدم اتخاذ خطوة عسكرية جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، في وقت لا تحظى فيه الحرب بتأييد شعبي واسع داخل الولايات المتحدة.

خسائر عسكرية واستنزاف لمخزونات الذخائر

تشكل الأضرار التي لحقت بالقواعد والمعدات العسكرية الأمريكية خلال عملية «الغضب الملحمي» إحدى أبرز العقبات أمام توسيع العمليات ضد إيران. فقد تسببت الهجمات الإيرانية، وفق التقديرات الواردة، في خسائر بمليارات الدولارات، إلى جانب استنزاف كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي.

وتشير الأرقام المتداولة إلى تعرض 81 طائرة عسكرية أمريكية للتدمير أو الضرر خلال المواجهات، في خسائر تعكس حجم التحديات التي واجهتها القوات الأمريكية في حماية أصولها الجوية. كما أفادت التقارير بأن بعض الهجمات الإيرانية استفادت من معلومات استخباراتية مستمدة من الأقمار الصناعية الصينية والروسية، فيما لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل هذه التقديرات.

وشملت الخسائر 12 مقاتلة من طراز «إف-15»، بينها تسع طائرات أصيبت بنيران إيرانية، وطائرتين هجوميتين من طراز «إيه-10»، إضافة إلى سبع طائرات للتزود بالوقود جواً من طراز «كيه سي-135»، تعرضت خمس منها لهجوم إيراني على قاعدة جوية في السعودية.

كما دُمرت طائرة للإنذار المبكر والتحكم الجوي من طراز «إي-3 سنتري» أثناء وجودها على الأرض، وفُقدت 45 طائرة مسيّرة من طراز «إم كيو-9 ريبر»، تبلغ تكلفة الواحدة منها نحو 34 مليون دولار.

وتتجاوز تداعيات هذه الخسائر قيمة المعدات المفقودة، إذ يتطلب تعويضها إعادة تخصيص الموارد المالية والصناعية، فضلاً عن الوقت اللازم لتسليم البدائل وإعادة تأهيل المنشآت المتضررة. ويزداد الضغط مع ارتفاع الإنفاق العسكري إلى نحو مليار دولار يومياً خلال ذروة العمليات، وفق التقديرات المتداولة.

فاتورة الحرب تضع واشنطن أمام خيارات صعبة

تضع الكلفة المالية المرتفعة الإدارة الأمريكية أمام خيارين محفوفين بالمخاطر: استئناف الضربات على أمل دفع طهران إلى قبول اتفاق تستطيع واشنطن تقديمه باعتباره مكسباً سياسياً، أو تجنب التصعيد خشية التعرض لهجمات انتقامية جديدة قد ترفع الخسائر البشرية والمادية.

ولا يقتصر العبء على النفقات التي تكبدتها الولايات المتحدة بالفعل، بل يشمل أيضاً كلفة إصلاح القواعد العسكرية واستبدال الطائرات والذخائر المستهلكة، وهي عملية قد تستلزم إنفاق عشرات المليارات من الدولارات الإضافية.

وتبرز الصواريخ الاعتراضية ضمن أكثر عناصر الترسانة حساسية، نظراً إلى أهميتها في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد يؤدي استمرار استهلاكها بوتيرة مرتفعة إلى تقليص قدرة القوات الأمريكية على حماية قواعدها وأصولها العسكرية في حال اندلاع مواجهة جديدة أو اتساع نطاق الصراع إلى جبهات أخرى.

وتشير هذه المعطيات إلى أن القدرة على تنفيذ ضربات جوية جديدة لا تعني بالضرورة أن استئناف الحرب سيكون خياراً منخفض الكلفة أو مضمون النتائج، خصوصاً إذا تمكنت إيران من مواصلة الرد وفرض أعباء إضافية على القوات الأمريكية.

إيران تعيد تأهيل قدراتها العسكرية

على الرغم من الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحصار البحري الأمريكي المفروض على موانئ تصدير النفط الإيرانية، تفيد التقديرات الواردة بأن طهران تمكنت من إصلاح جزء من المنشآت العسكرية التي تعرضت للقصف الأمريكي والإسرائيلي.

وشملت أعمال الإصلاح، بحسب التقارير، منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنشآت إنتاج الأسلحة، وهي قدرات يمكن أن تساعد إيران على مواصلة الرد إذا استؤنفت العمليات العسكرية. غير أن حجم ما أُعيد تأهيله والقدرات المتبقية لا يزالان عاملين يصعب تقديرهما بصورة مستقلة.

وفي موازاة ذلك، أعلن الحرس الثوري الإيراني استعداده للرد على أي هجمات أمريكية جديدة، بالتزامن مع استمرار التوتر المرتبط بحركة الملاحة في مضيق هرمز.

ويزيد هذا التهديد من حساسية أي قرار أمريكي بالتصعيد، إذ يمكن أن تتجاوز تداعيات المواجهة المنشآت العسكرية لتطال حركة ناقلات النفط وإمدادات الطاقة العالمية. ويُعد مضيق هرمز من الممرات البحرية الحيوية لتجارة النفط، ما يجعل أي اضطراب واسع فيه عاملاً مؤثراً في الأسواق الدولية وفي حسابات الدول المستوردة للطاقة.

وبذلك، لا تتعلق المخاطر بقدرة إيران على الرد العسكري فحسب، بل أيضاً بإمكانية اتساع المواجهة لتشمل الملاحة البحرية والبنية التحتية للطاقة، بما يرفع الكلفة الاقتصادية للصراع على أطرافه وعلى الاقتصاد العالمي.

ما الذي قد يدفع ترامب إلى التصعيد؟

تظل طبيعة الرد الإيراني المحتمل من العوامل المؤثرة في القرار الأمريكي. فبحسب تقديرات لمسؤول دفاعي أمريكي سابق، فإن الأضرار التي لحقت بالقواعد العسكرية، والنقص في الذخائر، وخسائر الطائرات، كلها عناصر تدخل في حسابات صناع القرار، وإن لم يكن أي منها حاسماً بمفرده.

وأشار المسؤول إلى أن مستوى التصعيد الإيراني في الخليج ومضيق هرمز قد يؤدي دوراً مهماً في تحديد الموقف الأمريكي، ولا سيما إذا تعرضت سفينة أمريكية لهجوم يسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا. وفي مثل هذه الحالة، قد تزداد الضغوط على الإدارة للرد عسكرياً، حتى مع ارتفاع كلفة المواجهة.

في المقابل، تواجه الحرب تحدياً على المستوى الداخلي، في ظل محدودية التأييد الشعبي لها وعدم اقتناع قطاعات من الرأي العام الأمريكي بضرورة استمرارها. ويضع ذلك ترامب أمام موازنة دقيقة بين إظهار الحزم في مواجهة إيران وتجنب حرب طويلة يصعب تبرير تكاليفها السياسية والاقتصادية.

كما أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي يضيف بعداً سياسياً إلى الحسابات العسكرية، إذ قد تؤثر الخسائر البشرية والإنفاق المتزايد في تقييم الناخبين لأداء الإدارة، خصوصاً إذا لم تحقق العمليات أهدافاً واضحة.

القواعد الأمريكية في أوروبا تحت ضغط المخاطر

لا تقتصر تداعيات المواجهة مع إيران على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى انتشار القوات الأمريكية في أوروبا، حيث أعادت التهديدات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة طرح أسئلة بشأن مستوى حماية القواعد الجوية وقدرتها على تأمين الطائرات الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، أفادت التقارير بسحب 12 قاذفة بعيدة المدى من طراز «بي-1 لانسر» من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية، وسط مخاوف من تعرضها لهجمات إيرانية محتملة باستخدام أسراب من الطائرات المسيّرة. وأشارت المعلومات المتداولة إلى أن القاذفات كانت متوقفة في مناطق مكشوفة داخل القاعدة، ما قد يجعلها أكثر عرضة للاستهداف.

وتقدر القوات الجوية الأمريكية كلفة تحديث ثلاث قواعد تستخدمها الولايات المتحدة في بريطانيا، هي فيرفورد ولاكنهيث وميلدنهال، بنحو 4.2 مليار دولار. وتشمل الاحتياجات إنشاء وسائل حماية للطائرات من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب تجهيز مرافق لتخزين القنابل النووية المحمولة جواً.

وتكشف هذه الاحتياجات عن اتساع العبء المالي المرتبط بحماية الانتشار العسكري الأمريكي خارج البلاد، إذ لم تعد النفقات مقتصرة على العمليات القتالية المباشرة، بل باتت تشمل تعزيز الدفاعات وتحديث المنشآت وإعادة تقييم مواقع انتشار الأصول العسكرية ذات القيمة العالية.

مراجعة الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا

تجري وزارة الحرب الأمريكية مراجعة لانتشار قواتها في أوروبا، وسط توقعات بأن تتناول حجم الوجود العسكري التقليدي وتوزيع المسؤوليات الدفاعية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

وتطرح هذه المراجعة احتمال تحميل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن قدراتها الدفاعية التقليدية، مع احتفاظ الولايات المتحدة بدور أساسي في توفير المظلة النووية. وإذا اتجهت واشنطن إلى تقليص انتشارها العسكري، فقد ينعكس ذلك على استخدام القواعد البريطانية من جانب القاذفات الاستراتيجية الأمريكية، بما فيها «بي-1» و«بي-52» و«بي-2».

وتعزز الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى جانب المخاوف الأمنية والقيود التي فرضتها بعض الدول الأوروبية على استخدام أجوائها خلال الحرب، النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى الالتزامات العسكرية الخارجية وكلفتها.

وقد يستفيد أنصار نهج «أمريكا أولاً» من هذه التطورات للدفع نحو تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخارج، والتركيز بدرجة أكبر على المصالح الأمريكية المباشرة، بدلاً من تخصيص مبالغ إضافية لإعادة بناء القواعد المتضررة وتحديث المنشآت في مناطق متعددة.

ومع ذلك، فإن أي تقليص محتمل للانتشار العسكري لن يكون قراراً مالياً صرفاً، بل سيعتمد أيضاً على حسابات الردع والتحالفات وقدرة واشنطن على حماية مصالحها في الشرق الأوسط وأوروبا.

خلفية: لماذا أصبحت كلفة الاستنزاف عاملاً حاسماً؟

تُظهر المواجهات العسكرية الحديثة أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يضمنان تجنب الخسائر أو حسم الصراع بسرعة. فالهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة يمكن أن تفرض أعباء كبيرة على القوات التي تعتمد على أنظمة دفاعية مرتفعة الكلفة، خصوصاً عندما تضطر إلى استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن لمواجهة أسلحة أقل كلفة.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما تمتد العمليات إلى أكثر من ساحة، إذ تحتاج القوات إلى توزيع الذخائر ووسائل الدفاع وأطقم الصيانة والطائرات بين القواعد المختلفة، مع الحفاظ على جاهزيتها لمواجهة تهديدات أخرى محتملة.

وفي الحالة الأمريكية، يتزامن العبء الناتج عن المواجهة مع إيران مع الحاجة إلى حماية القواعد الخارجية وتحديثها، والمحافظة على الجاهزية العسكرية في مناطق أخرى. وهذا يفرض على صناع القرار تحديد الأولويات بين مواصلة الضغط العسكري على طهران وتجنب استنزاف الموارد التي قد تحتاج إليها واشنطن في أزمات أخرى.

كما أن الكلفة السياسية للحرب لا تقل أهمية عن كلفتها المالية، إذ يمكن أن يؤدي استمرار القتال من دون نتائج واضحة إلى تراجع التأييد الشعبي، ويزيد الضغوط على الإدارة لتفسير أهداف العمليات وحدودها والجدوى من مواصلتها.

قرار يتجاوز تنفيذ ضربات جديدة

لا يرتبط قرار ترامب بشأن استئناف الحرب على إيران بقدرة القوات الأمريكية على تنفيذ هجمات إضافية فحسب، بل يتصل أيضاً بمدى استعداد واشنطن لتحمل خسائر جديدة، وبقدرتها على تعويض المعدات والذخائر وإصلاح القواعد المتضررة، فضلاً عن تداعيات التصعيد على الملاحة وأسواق الطاقة.

وقد تدفع هذه العوامل الإدارة الأمريكية إلى التريث والبحث عن تسوية تحقق أهدافها من دون الدخول في مواجهة طويلة، لكنها لا تستبعد التصعيد إذا تعرضت القوات الأمريكية لهجوم كبير أو رأت واشنطن أن مصالحها باتت مهددة بصورة مباشرة.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو كلفة الاستنزاف أحد أبرز العوامل التي تحدد هامش المناورة أمام ترامب، بينما يبقى المسار النهائي مرهوناً بتطورات الميدان، وطبيعة الرد الإيراني، والاعتبارات السياسية داخل الولايات المتحدة، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط وأوروبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى