جنوب لبنان في حسابات نتنياهو.. هل يتحول التصعيد إلى ورقة انتخابية؟

تتزايد المخاوف من احتمال توسيع إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، في ظل تقديرات تربط التحركات الإسرائيلية بالحسابات السياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وتراجع فرصه في الحصول على أغلبية تتيح له تشكيل حكومة جديدة. وتبرز مناطق إقليم التفاح وجبل الريحان ضمن السيناريوهات المطروحة، نظراً إلى موقعهما الاستراتيجي وإشرافهما على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني.
وبحسب تقديرات سياسية وعسكرية، قد يسعى نتنياهو إلى استثمار أي تطور ميداني لتعزيز موقعه الانتخابي، أو الدفع نحو تأجيل الانتخابات ستة أشهر، حتى آذار 2027. لكن احتمال فتح جبهة واسعة لا يزال مرتبطاً بتطورات الميدان والمواقف الدولية، فضلاً عن حسابات المواجهة مع حزب الله.
إقليم التفاح وجبل الريحان.. أهمية استراتيجية
يرى الخبير العسكري العميد جورج نادر أن إقليم التفاح وجبل الريحان يشكلان امتداداً جغرافياً لمنطقة تلة علي الطاهر، التي تعتبرها إسرائيل جزءاً من النطاق الذي تنطلق منه، وفق تقديراتها، الطائرات المسيّرة والصواريخ التابعة لحزب الله. كما وصف المنطقتين بأنهما مركز لوجستي متقدم على جبهة الجنوب.
وأوضح نادر أن أهمية هذا المحور ترتبط بإطلالته على مناطق واسعة من الجنوب اللبناني، من صيدا إلى جزين، إضافة إلى أجزاء من البقاع الغربي، ما يمنحه موقعاً استراتيجياً في الحسابات العسكرية للطرفين.
وأشار إلى أن هذا الخط يمثل عمقاً خلفياً للجبهة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وهو ما يجعله ذا أهمية لكل من إسرائيل وحزب الله.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، اعتبر نادر أن تحديد طبيعة الخطوة الإسرائيلية المقبلة يظل صعباً، لكنه لم يستبعد تنفيذ عمليات عسكرية ذات طابع دعائي، أو شن ضربات جوية مكثفة تمهيداً لهجوم بري محتمل في المنطقة بعد الانتخابات.
هل توجد جبهة مواجهة مباشرة؟
لفت نادر إلى أن سقوط تلة علي الطاهر غيّر طبيعة التماس العسكري بين حزب الله وإسرائيل، مشيراً إلى عدم وجود جبهة مواجهة مباشرة بالمعنى العسكري التقليدي في إقليم التفاح وجبل الريحان، وفق تقديره.
وأضاف أن حزب الله يعتمد، بحسب وصفه، على مجموعات صغيرة تتحرك بأسلوب الكر والفر والقتال التراجعي في العمق، بدلاً من الدفاع الثابت على خط مواجهة واضح.
وأشار أيضاً إلى استمرار وجود عناصر للحزب في قرى تقع قرب ما يُعرف بالخط الأصفر، ضمن مناطق لم يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي جنوب الليطاني، معتبراً أن طبيعة الانتشار والاشتباك الحالية تختلف عن نموذج الجبهات التقليدية.
وفي الميدان، تتواصل الغارات الإسرائيلية على مناطق عدة في الجنوب اللبناني، مع تكثف الضربات في المنطقة الممتدة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، مروراً بمحيط وادي الحجير وطلوسة، إلى جانب قصف مدفعي استهدف منطقة العرايش في قضاء بنت جبيل.
الانتخابات الإسرائيلية تضغط على حسابات نتنياهو
من جانبه، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي نزار نزال أن نتنياهو يبحث عن جبهة يمكن تقديمها باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن الإسرائيلي، في ظل استطلاعات رأي لا تمنحه، بحسب قراءته، قاعدة انتخابية كافية لتشكيل حكومة جديدة.
واعتبر نزال أن التصعيد في لبنان قد يُستخدم لتبرير تأجيل الانتخابات ستة أشهر، بما يتيح لنتنياهو محاولة تحسين موقعه السياسي قبل خوض الاستحقاق الانتخابي.
وأضاف أن تسويق التهديد الآتي من الجبهة اللبنانية قد يشكل جزءاً من هذا المسار، لكنه أشار إلى أن الأمر قد يتطلب، وفق تقديره، توجيه ضربات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، بهدف دفع حزب الله إلى الرد بقصف مدن إسرائيلية، بما يمكن أن تستخدمه الحكومة الإسرائيلية لتبرير توسيع عملياتها.
ولفت نزال إلى وجود ضوابط أميركية محتملة على التحركات الإسرائيلية، تحول دون الذهاب إلى حرب إقليمية من دون تقديم مبررات مرتبطة بتهديد أمن إسرائيل، معتبراً أن البحث عن مثل هذه المبررات قد يكون جزءاً من حسابات نتنياهو.
وتواجه حكومة نتنياهو ضغوطاً سياسية داخلية في ظل الجدل بشأن أدائها الأمني، وعدم تحقيق جميع الأهداف التي أعلنتها، بما في ذلك نزع سلاح حزب الله، إلى جانب عدم تنفيذ الوعود المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وفق الانتقادات الموجهة إليها.
مخاوف لبنانية من تحول الجنوب إلى ساحة انتخابية
بدوره، يرى المحلل السياسي وجدي العريضي أن التفجيرات والقصف المدفعي في جنوب لبنان يشكلان جزءاً من التصعيد الإسرائيلي المتواصل، لكنه حذّر من احتمال انتقال العمليات إلى إقليم التفاح وجبل الريحان بعد التطورات التي شهدتها منطقة تلة علي الطاهر.
وأشار العريضي إلى أن توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية قد يستهدف الوصول إلى مواقع تتيح الإشراف على أجزاء من البقاع الغربي، فيما تبرز إقليم التفاح ضمن الحسابات العسكرية الإسرائيلية بسبب امتدادها الاستراتيجي باتجاه الزهراني وصولاً إلى صيدا.
ولم يستبعد العريضي اتساع العمليات لتشمل جبل الريحان وجبل صافي، في ظل ما وصفه بصعوبة الوضع اللبناني، نتيجة الانقسامات السياسية والأزمة الاقتصادية والمخاوف الأمنية المرتبطة بالمتفجرات التي قيل إنها كانت معدّة لحزب الله.
وأضاف أن الأوساط السياسية والرأي العام في لبنان يخشيان من أن يتحول الجنوب إلى ورقة في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، بحيث يسعى نتنياهو إلى تقديم أي تقدم عسكري على أنه إنجاز يعزز موقعه أمام الناخبين.
تصعيد محتمل أم ضغوط سياسية؟
تتقاطع التقديرات العسكرية والسياسية عند الأهمية الاستراتيجية لإقليم التفاح وجبل الريحان، لكنها لا تؤكد حتمية انتقال إسرائيل إلى عملية واسعة في المنطقة. فالتصعيد القائم، والحسابات الانتخابية، والموقف الأميركي، وردود حزب الله، كلها عوامل قد تؤثر في طبيعة التحركات المقبلة.
وفي ظل استمرار الغارات وتزايد المخاوف اللبنانية، يبقى السؤال المطروح ما إذا كان الجنوب سيشهد توسيعاً للعمليات العسكرية، أم ستظل التحركات ضمن نطاق الضغط الميداني والسياسي، من دون الانتقال إلى مواجهة أوسع.




