أخبــارتقاريرنبض الساعةهيدلاينز

حرب إيران تفتح باب السباق النووي من جديد

تتزايد المخاوف من أن تؤدي الحرب على إيران إلى تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط، مع احتمال دفع دول عدة إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية وخياراتها النووية، في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية وتزايد الشكوك بشأن قدرة الاتفاقيات الدولية على منع انتشار الأسلحة النووية.

وتتمثل المفارقة الأساسية في أن العمليات العسكرية التي قُدّمت باعتبارها وسيلة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي قد تؤدي، وفق تقديرات تحليلية، إلى تعزيز الدوافع الإيرانية لتطويره، فضلاً عن تشجيع دول أخرى على النظر إلى الردع النووي باعتباره وسيلة لحماية أمنها من الهجمات الخارجية.

وتتداخل هذه المخاوف مع تصاعد التوتر بين القوى الكبرى، وتراجع منظومة الحد من التسلح، واستمرار التنافس النووي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل الأمن الدولي واحتمالات دخول العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح.

حرب بنتائج استراتيجية معاكسة

أثارت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تساؤلات بشأن مدى نجاح القوة العسكرية في تحقيق هدف منع طهران من تطوير سلاح نووي، خصوصاً مع استمرار الغموض بشأن مستقبل برنامجها النووي وقدرتها على إعادة تأهيل المنشآت المتضررة.

وتشير تقديرات تحليلية إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قللت من قدرة إيران على الصمود ومواصلة الرد، ومن احتمالات اتساع المواجهة لتشمل المصالح الأمريكية في المنطقة وممرات الطاقة الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

وأدت المواجهات، وفق الأرقام الواردة في التقارير، إلى استنزاف مخزونات أمريكية من الذخائر الدفاعية وإلحاق أضرار بقواعد عسكرية في المنطقة، إلى جانب سقوط قتلى ومصابين في صفوف القوات الأمريكية. كما ارتبط التصعيد بارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط التضخمية ومخاطر تباطؤ الاقتصاد العالمي.

لكن التداعيات الأبعد مدى قد تتصل بالطريقة التي ستفسر بها الدول الأخرى هذه الحرب. فإذا خلصت حكومات تشعر بالتهديد إلى أن امتلاك السلاح النووي هو الوسيلة الأكثر فاعلية لمنع تعرضها لهجوم، فقد تتسع دائرة الدول الساعية إلى تطوير قدرات نووية عسكرية.

وبهذا المعنى، لا تقتصر نتائج الحرب على الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإيرانية أو حجم الخسائر العسكرية، بل تشمل أيضاً تأثيرها في حسابات الردع لدى دول أخرى، ومدى اقتناعها بأن التحالفات والضمانات الأمنية التقليدية كافية لحماية أراضيها.

إيران تعيد تقييم خيار السلاح النووي

يُعد مستقبل البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز الملفات التي قد تتأثر بنتائج الحرب. فاستهداف المنشآت النووية والعسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء المعرفة العلمية والخبرات التقنية التي راكمتها إيران على مدى سنوات، كما أن حجم الأضرار التي لحقت بالبرنامج وقدرة طهران على إعادة بناء مكوناته يحتاجان إلى تقييم مستقل.

وفي المقابل، قد تؤدي الضربات العسكرية إلى إضعاف الثقة بالمسار الدبلوماسي، خصوصاً إذا رأت القيادة الإيرانية أن التفاوض والاتفاقات لا يوفران ضمانات كافية لتجنب هجمات مستقبلية.

وتشير تقديرات خبراء في الحد من التسلح والعلاقات الدولية إلى أن الحرب قد تعزز النقاش داخل إيران بشأن جدوى امتلاك سلاح نووي، بعدما كان هذا الخيار موضع خلاف بين تيارات سياسية وأمنية مختلفة.

ويستند هذا التقدير إلى اعتقاد محتمل لدى بعض دوائر صنع القرار بأن امتلاك قدرات نووية عسكرية قد يرفع كلفة مهاجمة إيران، أو يمنحها مستوى إضافياً من الردع. غير أن ذلك لا يعني أن طهران اتخذت قراراً نهائياً بتصنيع القنبلة، إذ تبقى حساباتها مرتبطة بعوامل سياسية وأمنية واقتصادية، وبالضغوط الدولية التي قد تترتب على أي تحول من هذا النوع.

كما يثير مستقبل الفتوى التي أصدرها المرشد الإيراني السابق علي خامنئي لتحريم الأسلحة النووية تساؤلات بشأن موقف القيادة الجديدة من هذا الملف. وفي ظل غياب موقف معلن يحسم اتجاه السياسة الإيرانية، تتواصل التكهنات بشأن احتمال تغير النقاش الداخلي حول الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو تطوير قدرات عسكرية محظورة بموجبها.

وتزداد حساسية هذه المسألة مع استمرار التوتر بين طهران وواشنطن، إذ يمكن أن يؤدي غياب الثقة إلى إضعاف فرص التوصل إلى اتفاق طويل الأمد يضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني ويوفر آليات للتحقق من الالتزام به.

من الانسحاب من الاتفاق النووي إلى المواجهة العسكرية

لا تنفصل الأزمة الحالية عن مسار طويل من التوتر بشأن البرنامج النووي الإيراني. ففي عام 2015، توصلت إيران والقوى الدولية إلى اتفاق فرض قيوداً على أنشطة نووية إيرانية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية، مع إخضاع أجزاء من البرنامج لآليات رقابة دولية.

لكن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق عام 2018 خلال الولاية الأولى لترامب، وأعادت فرض عقوبات واسعة على إيران. وتبع ذلك تصاعد الخلافات بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم ومدى التزام طهران بالقيود النووية، إلى جانب تراجع بعض إجراءات الرقابة الدولية.

وأضعف انهيار المسار السابق الثقة بإمكانية استمرار الاتفاقات النووية عندما تتغير السياسات الأمريكية، كما زاد صعوبة التوصل إلى تفاهم جديد يحظى بضمانات سياسية مقبولة لدى الأطراف المعنية.

ومع اندلاع المواجهة العسكرية، ازدادت المخاوف من أن يؤدي الجمع بين العقوبات والضربات العسكرية وتعثر المفاوضات إلى نتائج معاكسة، تتمثل في إضعاف الحوافز الإيرانية للالتزام بالقيود النووية وتعزيز الأصوات المطالبة بامتلاك قدرة ردع مستقلة.

وتبقى هذه النتيجة احتمالاً تحذر منه التحليلات، وليست مساراً حتمياً؛ إذ يمكن أن تؤدي كلفة التصعيد أيضاً إلى زيادة الضغوط على الأطراف للعودة إلى المفاوضات، إذا توفرت ضمانات متبادلة وآليات رقابة موثوقة.

أوروبا تعيد حسابات الردع النووي

تمتد المخاوف من تداعيات الحرب إلى أوروبا، حيث تتزايد التساؤلات بشأن مدى اعتماد الدول الأوروبية على المظلة الأمنية الأمريكية، وقدرتها على حماية نفسها في حال تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع عن الحلفاء.

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توسيع الترسانة النووية الفرنسية، في خطوة تعكس تنامي النقاش بشأن دور الردع النووي في البيئة الأمنية الأوروبية المتغيرة.

ولا ترتبط هذه المراجعات بالحرب على إيران وحدها، بل تتداخل مع خلافات أوسع بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، تشمل مستقبل الالتزامات الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي، والتوترات التجارية، والتصريحات الأمريكية المتعلقة بغرينلاند.

وتدفع هذه التطورات بعض الأوساط الأوروبية إلى بحث سبل تعزيز الاستقلال الدفاعي، بما في ذلك الدور الذي يمكن أن تؤديه القدرات النووية الفرنسية في حماية المصالح الأوروبية. لكن الانتقال من النقاش السياسي إلى امتلاك دول إضافية أسلحة نووية يظل مساراً معقداً، تحكمه التزامات قانونية دولية وحسابات استراتيجية ومخاطر سياسية كبيرة.

ويحذر خبراء من أن تراجع الثقة بالضمانات الأمنية قد يشجع بعض الدول على التفكير في خيارات كانت مستبعدة سابقاً، حتى لو لم يتحول هذا التفكير إلى برامج تسلح فعلية. وقد يؤدي انتشار هذه الحسابات إلى إضعاف التماسك داخل التحالفات الغربية، وفتح نقاشات جديدة بشأن تقاسم أعباء الردع والدفاع.

آسيا أمام احتمالات انتشار نووي أوسع

في شرق آسيا، تتزايد أهمية الضمانات الأمنية الأمريكية في حسابات اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين تعتمدان على التحالف مع واشنطن في مواجهة التهديدات الإقليمية، ولا سيما القدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية.

وقد تدفع الشكوك بشأن استمرارية الالتزامات الأمريكية، بالتزامن مع اضطراب إمدادات الطاقة والتصعيد في الشرق الأوسط، إلى إعادة تقييم السياسات الدفاعية في المنطقة.

ويحذر محللون من أن ظهور دول نووية إضافية في شمال شرق آسيا قد يصبح احتمالاً أكثر حضوراً في النقاشات الاستراتيجية إذا تراجعت الثقة بالردع الأمريكي. لكن أي قرار من هذا النوع سيواجه عقبات سياسية وقانونية وتقنية، فضلاً عن احتمال إشعال سباق تسلح إقليمي وزيادة مخاطر سوء التقدير العسكري.

كما أن توسع القدرات النووية في المنطقة قد يدفع دولاً أخرى إلى تعزيز ترساناتها أو تغيير عقائدها الدفاعية، ما يخلق سلسلة من ردود الفعل المتبادلة يصعب احتواء نتائجها.

وتكمن الخطورة في أن القرارات النووية لا تُتخذ بمعزل عن بعضها؛ فخطوة واحدة قد تدفع دولاً منافسة إلى إعادة حساباتها، ثم تتوالى إجراءات الردع والتسلح في بيئة تتراجع فيها قنوات الحوار والثقة المتبادلة.

تراجع اتفاقيات الحد من التسلح

تتزامن المخاوف من اتساع الانتشار النووي مع تراجع منظومة الاتفاقيات الدولية التي ساعدت على ضبط التنافس بين القوى الكبرى لعقود.

ومن أبرز التطورات انتهاء معاهدة «نيو ستارت» بين الولايات المتحدة وروسيا في فبراير 2026، وهي المعاهدة التي وضعت قيوداً على الأسلحة النووية الاستراتيجية المنشورة لدى الطرفين. وقد أثار انتهاء العمل بها مخاوف من غياب إطار ملزم يحد من التوسع في الترسانتين، في وقت تواصل فيه الصين تطوير قدراتها النووية.

ويزيد غياب القيود المتبادلة من صعوبة التنبؤ بمسار المنافسة الاستراتيجية، إذ قد ترى كل قوة أن تعزيز ترسانتها ضروري لموازنة قدرات خصومها. ومع تراجع آليات التحقق والشفافية، يمكن أن تتزايد الشكوك بشأن نيات الأطراف الأخرى، ما يرفع احتمالات الدخول في سباق تسلح جديد.

ولا يقتصر أثر هذه التطورات على الدول المالكة للسلاح النووي، بل يشمل أيضاً الدول التي تعتمد على المظلات الأمنية الخارجية. فكلما تراجعت الثقة بقدرة الاتفاقيات والتحالفات على توفير الحماية، ازدادت الضغوط الداخلية على الحكومات للبحث عن خيارات ردع إضافية.

وفي المقابل، فإن استعادة الحوار بين القوى الكبرى وإحياء ترتيبات الحد من التسلح قد يحدان من هذه المخاطر، شريطة توافر إرادة سياسية وآليات تحقق قابلة للتطبيق.

خلفية: كيف نشأ النظام الدولي للحد من الانتشار النووي؟

تبلورت الجهود الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية بعد أن أظهرت الحرب الباردة مخاطر التنافس بين القوى الكبرى، ولا سيما مع توسع الترسانات النووية وارتفاع احتمالات التصعيد غير المقصود.

وشكلت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1970، أحد أعمدة هذا النظام، إذ سعت إلى منع انتشار السلاح النووي، وتعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ودعم المفاوضات بشأن نزع السلاح.

وتبعتها اتفاقيات ثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثم روسيا، هدفت إلى تقليص الأسلحة الاستراتيجية والحد من مخاطر المواجهة. كما أدت الرقابة الدولية والمفاوضات الدبلوماسية دوراً في احتواء أزمات نووية ومنع بعض الدول من الانتقال إلى امتلاك السلاح.

غير أن هذا النظام واجه تحديات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، مع تدهور العلاقات بين القوى الكبرى، وانسحاب دول من اتفاقيات أو انتهاء العمل ببعضها، وتنامي الشكوك بشأن التزام الأطراف بالقيود المتبادلة.

وتعني هذه التحولات أن منع الانتشار النووي لم يعد يعتمد على الاتفاقيات وحدها، بل يتطلب أيضاً معالجة المخاوف الأمنية التي تدفع الدول إلى السعي لامتلاك السلاح، وتوفير ضمانات موثوقة تقلل الحاجة إلى خيارات الردع القصوى.

هل يقترب العالم من سباق نووي جديد؟

تطرح الحرب على إيران اختباراً صعباً للنظام الدولي، إذ قد تؤدي نتائجها إلى تعزيز الاعتقاد بأن السلاح النووي يوفر حماية لا تستطيع التحالفات أو الاتفاقيات الدبلوماسية ضمانها. وإذا ترسخ هذا الاعتقاد لدى دول إضافية، فقد تتسع دائرة الدول الساعية إلى امتلاك قدرات نووية عسكرية.

لكن اتساع سباق التسلح ليس نتيجة حتمية للحرب؛ إذ ستتوقف المسارات المقبلة على قرارات الدول المعنية، ومدى استعدادها لاستئناف المفاوضات، وقدرة المجتمع الدولي على توفير ضمانات أمنية قابلة للتصديق، وإعادة بناء آليات الرقابة والحد من التسلح.

وتتمثل المفارقة في أن الحرب التي قُدّمت باعتبارها وسيلة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي قد تزيد، على المدى الطويل، من جاذبية هذا الخيار لدى طهران ودول أخرى تشعر بالتهديد.

وبين استمرار التصعيد وإمكانية العودة إلى الدبلوماسية، يبقى مستقبل الانتشار النووي مرتبطاً بقدرة القوى الكبرى على منع تحوّل المخاوف الأمنية إلى سباق تسلح مفتوح، قد يجعل العالم أكثر عرضة للأزمات النووية وأقل قدرة على احتوائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى