
ماذا لو أخبرك الذكاء الاصطناعي بأن أمامك 18 عاماً أو 25 عاماً أو حتى أقل من ذلك؟ هل ستشعر بالاطمئنان لأنك أصبحت تعرف ما ينتظرك، أم ستبدأ في حساب الأيام والأشهر، وتعيد النظر في قراراتك وخططك وعلاقاتك على أساس رقم لا تعرف مدى دقته؟ ومع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الطبية، لم يعد الحديث عن قدرة التكنولوجيا على تقدير العمر المتوقع للإنسان مجرد سيناريو من الخيال العلمي، بل أصبح موضوعاً يتقاطع فيه البحث الطبي مع أسئلة أخلاقية ونفسية عميقة حول الموت والخصوصية وحق الإنسان في معرفة مستقبله أو عدم معرفته.
تتمثل الفكرة في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات ضخمة من المعلومات، تشمل التاريخ المرضي ونتائج الفحوص المخبرية والمؤشرات الحيوية والعادات اليومية، ثم مقارنة هذه البيانات بمعلومات صحية تخص مجموعات كبيرة من الأشخاص. وقد تساعد هذه العملية في تقدير مخاطر الإصابة بأمراض معينة أو احتمالات البقاء على قيد الحياة خلال فترة زمنية محددة.
لكن ثمة فارقاً أساسياً بين حساب الاحتمالات وتحديد موعد وفاة شخص بعينه. فحتى النماذج الأكثر تطوراً لا تستطيع تحويل التوقع الإحصائي إلى حقيقة مؤكدة، كما أن دقة النتائج تعتمد على جودة البيانات المستخدمة وطبيعة النموذج والسياق الصحي لكل شخص.
هذه المعضلة كانت محور مقال للصحافي الأمريكي جويل آخنباخ في مجلة «ذا أتلانتيك»، استعرض فيه تجربته الشخصية مع التقدم في العمر، وكيف دفعته الفحوص الطبية والتخطيط للمستقبل إلى التفكير في سؤال ظل يتردد في ذهنه: هل يريد حقاً أن يعرف كم بقي له من العمر؟
عندما يتحول التقدم في العمر إلى سلسلة من الأسئلة
بدأت الأسئلة تأخذ منحى أكثر جدية لدى آخنباخ عندما بلغ هو وزوجته ماري الخامسة والستين من العمر. ففي هذه المرحلة، لم يعد التفكير في الشيخوخة مقتصراً على التغيرات الجسدية أو التقاعد، بل امتد إلى احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة، والتراجع في القدرات الإدراكية، وفقدان الاستقلالية، وما قد تتطلبه السنوات المقبلة من قرارات صعبة.
ويستعيد الكاتب موقفاً يعود إلى نحو ثماني سنوات، عندما سأله مستشاره المالي عن العمر الذي يتوقع أن يبلغه. لم يكن السؤال فضولياً، بل ارتبط بالتخطيط للتقاعد وتقدير المدة التي ينبغي أن تكفي خلالها المدخرات لتغطية نفقات المعيشة، فضلاً عن تحديد التوقيت المناسب للحصول على مستحقات الضمان الاجتماعي الأمريكي.
في ذلك الوقت، أعد المستشار خطة مالية تفترض أن الكاتب قد يعيش حتى سن الثمانين. غير أن هذا الافتراض، الذي بدا في البداية مجرد رقم حسابي لتقدير الاحتياجات المالية، أخذ يثير لديه القلق مع مرور السنوات، ما دفعه إلى طلب تمديد العمر المفترض في الحسابات.
وتكشف هذه التجربة جانباً من العلاقة المعقدة بين التوقعات الرقمية والحياة الشخصية. فالأرقام التي تُستخدم في البداية لتسهيل التخطيط قد تتحول إلى نقاط مرجعية نفسية، يبدأ الإنسان في قياس مستقبله على أساسها، حتى عندما لا تكون سوى افتراضات احتمالية.
فمتوسط العمر المتوقع لا يعني أن الشخص سيعيش حتى سن محددة، ولا أن تجاوزه أو عدم بلوغه يمثل نتيجة غير طبيعية. إنه مؤشر إحصائي يستند إلى بيانات سكانية، بينما يتأثر المسار الفردي بعوامل كثيرة قد تتغير بمرور الوقت.
الوصية والرعاية الطبية.. قرارات لا تحتمل التأجيل دائماً
لم تتوقف مخاوف الكاتب عند الحسابات المالية، بل امتدت إلى الاستعداد لنهاية الحياة. فقد قرر مع زوجته إعداد وصيتيهما وتحديد ترتيبات إدارة التركة والرعاية الطبية التي يرغبان في تلقيها إذا أصبحا غير قادرين على اتخاذ القرارات بأنفسهما.
وأجبرتهما هذه الخطوة على التفكير في سيناريوهات صحية شديدة التعقيد، من بينها الإصابة بمرض عضال يؤدي إلى الاعتماد الكامل على الآخرين، أو الوصول إلى مرحلة تقترب فيها الوفاة رغم استخدام أجهزة دعم الحياة، أو الدخول في حالة إنباتية دائمة مع غياب توقع طبي معقول باستعادة الوعي.
ولا تتعلق هذه القرارات بمعرفة موعد الوفاة بقدر ما تتعلق بتحديد الخيارات التي يفضل الإنسان اعتمادها إذا فقد القدرة على التعبير عن إرادته. لكنها تضعه في الوقت نفسه أمام حقيقة يصعب تجاهلها: أن التخطيط للمستقبل يتطلب أحياناً التفكير في احتمالات لا يرغب في مواجهتها.
وفي هذا السياق، يمكن أن يبدو الذكاء الاصطناعي أداة مغرية. فبدلاً من الاكتفاء بمتوسطات عامة، قد يتمكن من تحليل البيانات الشخصية وتقديم تقديرات أكثر ارتباطاً بالحالة الصحية للفرد، وهو ما قد يساعد في التخطيط للرعاية الصحية أو اتخاذ قرارات مالية طويلة الأجل.
غير أن السؤال الأهم يظل قائماً: هل كل معلومة يمكن الحصول عليها ينبغي أن تصبح معلومة نعرفها؟
من نتائج الفحوص إلى تقدير العمر المتوقع
مع انتقال الكاتب إلى طبيبة جديدة، خضع لفحوص إضافية وتلقى أدوية جديدة، فتراكمت الملاحظات والتشخيصات ونتائج التحاليل في ملفه الطبي الإلكتروني.
وأصبح التقدم في العمر بالنسبة إليه مرتبطاً بمجموعة واسعة من المؤشرات، تشمل ضغط الدم ومعدل ضربات القلب ومستويات الكوليسترول والسكر ووظائف الكبد والكلى ومؤشرات الالتهاب، إلى جانب نتائج فحوص القلب وغيرها من القياسات التي تساعد الأطباء في تقييم الحالة الصحية.
وأمام هذا الكم من البيانات، لجأ الكاتب إلى برنامج «كلود»، التابع لشركة «أنثروبيك»، طالباً تفسير نتائج فحص للقلب أظهر أن نسبة ضخ الدم من البطين الأيسر تراوحت بين 65 و70 في المئة، مع تضخم طفيف في عضلة القلب واضطراب بسيط في ارتخائها، فضلاً عن تسربات محدودة في بعض الصمامات.
وجاء الرد مطمئناً، إذ أوضح البرنامج أن نسبة الضخ تقع ضمن النطاق الطبيعي المعتاد، وأن التغيرات المسجلة تبدو طفيفة، ولا تشير بمفردها إلى وجود قصور في القلب أو مشكلة خطيرة في الصمامات تستدعي تدخلاً عاجلاً.
لكن أهمية هذه التجربة لا تكمن في التقييم الذي قدمه البرنامج وحده، بل في الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها الناس مع هذه الإجابات. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تبسيط المصطلحات الطبية وربط بعض النتائج بالسياق العام، لكنه لا يحل محل الطبيب الذي يملك التاريخ المرضي الكامل، ويستطيع فحص المريض وتقييم الأعراض ومراجعة الصور والنتائج في ضوء عوامل متعددة.
كما أن النتيجة التي تبدو مطمئنة في سياق معين قد تحتاج إلى متابعة إذا ارتبطت بأعراض أو بتاريخ مرضي محدد. لذلك لا ينبغي التعامل مع إجابات النماذج اللغوية باعتبارها تشخيصاً نهائياً، سواء أكانت مطمئنة أم مثيرة للقلق.
عندما تختلف النماذج.. هل يمكن الوثوق بالإجابة؟
تزداد المسألة تعقيداً عندما تقدم أنظمة الذكاء الاصطناعي تفسيرات مختلفة للبيانات نفسها. ويستشهد الكاتب بتجربة الصحافي روبرت رايت، الذي استعان ببرنامج «كلود» لفهم نتائج فحوص أحد أقاربه، فكانت الإجابة تدعو إلى التوجه فوراً إلى قسم الطوارئ.
في المقابل، قدم برنامج «جيميناي» التابع لشركة «غوغل» تقييماً أكثر هدوءاً، معتبراً أن النتائج لا تستدعي الذعر. وتبين لاحقاً أن التقييم الثاني كان أقرب إلى الحالة الفعلية، فيما ساعد «تشات جي بي تي» على تفسير التناقض، مشيراً إلى احتمال وجود خطأ في إحدى القيم المخبرية بالنظر إلى بقية النتائج.
وتوضح هذه الواقعة أن امتلاك النموذج قدرة على معالجة المعلومات لا يعني أنه قادر دائماً على تفسيرها بصورة صحيحة. فقد يبالغ نظام في تقدير الخطر، بينما يقلل آخر من أهميته، وقد ينتج الاختلاف عن طريقة صياغة السؤال أو البيانات المقدمة أو آلية تفسير المؤشرات الطبية.
وتكتسب هذه المشكلة أهمية خاصة عندما تتعلق الإجابة بقرار عاجل. فالتحذير غير الضروري قد يثير الخوف ويدفع إلى إجراءات لا حاجة إليها، بينما قد يؤدي الاطمئنان الخاطئ إلى تأخير طلب الرعاية الطبية.
لهذا، لا يكفي أن تبدو الإجابة منطقية أو أن تكون مكتوبة بلغة واثقة. فالثقة في الأسلوب ليست دليلاً على صحة الاستنتاج، كما أن توافق أكثر من برنامج لا يضمن بالضرورة صحة النتيجة إذا كانت الأنظمة تعتمد على بيانات ناقصة أو تتشارك نقاط ضعف متشابهة.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي حساب السنوات المتبقية من حياتك؟
تقدم إدارة الضمان الاجتماعي الأمريكية تقديرات للعمر المتوقع استناداً إلى عوامل أساسية، من بينها الجنس وتاريخ الميلاد. ويذكر آخنباخ أن الحسابات المرتبطة ببياناته تشير إلى متوسط عمر متبقٍ يبلغ 18.7 سنة، ما يعادل عمراً إجمالياً يقارب 84.5 عاماً، ويضع الموعد الإحصائي المتوقع حول يوليو/تموز 2045.
لكن هذه النتيجة ليست موعداً محدداً لوفاته، ولا تعني أن الاحتمال الأكبر هو وفاته في ذلك الشهر تحديداً. إنها قراءة إحصائية مبنية على افتراضات سكانية عامة، ولا تأخذ بالضرورة في الحسبان كل تفاصيل الحالة الصحية للفرد أو التغيرات المستقبلية في ظروفه.
وهنا يظهر المجال الذي قد يضيف فيه الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية. فبدلاً من الاعتماد على عدد محدود من العوامل، يمكن للنماذج المتخصصة تحليل التاريخ المرضي والأدوية والنتائج المخبرية ومؤشرات القلب والتمثيل الغذائي وغيرها، ثم مقارنة هذه البيانات بمعلومات مستمدة من مجموعات واسعة من المرضى.
وقد يساعد هذا التحليل في تقدير احتمالات الإصابة بمرض معين، أو خطر الوفاة خلال فترة زمنية محددة، أو فرص البقاء على قيد الحياة لدى أشخاص يعانون حالات صحية معينة. إلا أن هذه الأهداف تختلف عن محاولة تحديد اليوم أو الشهر الذي ستنتهي فيه حياة شخص بعينه.
فالتوقع الطبي الجيد لا يقدم بالضرورة تاريخاً واحداً، بل قد يحدد نطاقاً من الاحتمالات، مع توضيح العوامل التي ترفع المخاطر أو تخفضها ومدى الثقة في النتيجة. وكلما كانت البيانات أكثر اكتمالاً وملاءمة للحالة، أمكن تحسين التقدير، لكن عدم اليقين لا يختفي.
كما أن صحة التنبؤ على مستوى مجموعة كبيرة لا تعني بالضرورة دقته بالنسبة إلى كل فرد. فقد ينجح نموذج في التمييز بين مجموعات ذات مخاطر مرتفعة وأخرى أقل خطراً، لكنه يظل عاجزاً عن تحديد ما سيحدث لشخص معين.
صورة واحدة قد تحمل مؤشرات صحية.. ولكن إلى أي حد؟
ومن الأمثلة التي أثارت الاهتمام في هذا المجال أبحاث تناولت استخدام الصور الطبية أو الصور الفوتوغرافية في تقدير المخاطر الصحية وفرص البقاء على قيد الحياة. ويشير تقرير «ذا أتلانتيك» إلى دراسة علمية منشورة في دورية تابعة لمجموعة «ذا لانسيت»، بحثت نموذجاً يستطيع توقع فرص بقاء مرضى السرطان على قيد الحياة استناداً إلى صورة فوتوغرافية واحدة.
وتثير هذه النتائج تساؤلات بشأن نوع المعلومات التي تستطيع الخوارزميات استخلاصها من الصور، خصوصاً عندما تكون قادرة على اكتشاف أنماط دقيقة قد لا تكون واضحة للعين البشرية. لكنها لا تعني أن الوجه يكشف موعد الوفاة بصورة مباشرة، أو أن صورة واحدة تكفي لإصدار حكم موثوق على مستقبل الإنسان.
فالنماذج البحثية تُختبر عادة على مجموعات محددة من البيانات، وتحتاج إلى التحقق من أدائها على أشخاص وبيئات مختلفة قبل استخدامها في القرارات الطبية. وقد تتأثر نتائجها بعوامل تتعلق بالعمر أو الحالة الصحية أو نوع البيانات التي تدربت عليها.
كذلك، فإن القدرة على توقع خطر صحي لا تعني بالضرورة معرفة السبب الذي يقف وراءه، أو القدرة على تغييره. فقد يحدد النموذج أن شخصاً ما ينتمي إلى فئة أعلى خطراً، من دون أن يقدم تفسيراً كاملاً للعوامل التي أدت إلى هذا التقدير.
لذلك، ينبغي النظر إلى هذه الأبحاث بوصفها أدوات محتملة لتحسين التقييم الطبي، لا دليلاً على أن التكنولوجيا أصبحت قادرة على قراءة مستقبل الفرد بدقة مطلقة.
من الفائدة الطبية إلى القلق الصحي المستمر
قد تبدو معرفة المخاطر الصحية ميزة واضحة، خصوصاً عندما تساعد الإنسان على اتخاذ خطوات وقائية أو مراجعة الطبيب في الوقت المناسب. لكن هذه الفائدة المحتملة تحمل وجهاً آخر، يتمثل في إمكانية تحول التحليل المستمر للجسم إلى مصدر دائم للقلق.
فالشخص الذي يحصل على تقدير مرتفع لمخاطر الإصابة بمرض ما قد يبدأ في مراقبة كل تغير جسدي باعتباره علامة على اقتراب الخطر، حتى عندما تكون تلك التغيرات طبيعية أو غير ذات دلالة طبية واضحة. وقد تدفعه الإجابات المتكررة إلى البحث عن مزيد من الفحوص والتفسيرات، في دائرة يصعب الخروج منها.
وفي المقابل، قد يؤدي تقدير منخفض للمخاطر إلى شعور زائف بالأمان، يدفع صاحبه إلى تجاهل أعراض تستدعي التقييم الطبي أو التقليل من أهمية متابعة العلاج.
وتكمن المشكلة في أن الأرقام، حتى عندما تكون احتمالية، قد تبدو في نظر المستخدم أكثر يقيناً مما هي عليه في الواقع. فإذا أخبره نظام ما بأن خطر الوفاة خلال فترة معينة منخفض، فقد يتعامل مع النتيجة على أنها ضمان. وإذا أظهر تقديراً مرتفعاً، فقد يتصور أن النتيجة حتمية.
والواقع أن الاحتمالات لا تعمل بهذه الطريقة. فالتقدير الذي ينطبق على مجموعة من الأشخاص لا يحدد بصورة مؤكدة ما سيحدث لأحد أفرادها، كما أن المخاطر الصحية تتغير مع الوقت تبعاً للعلاج ونمط الحياة والعوامل البيئية والتطورات الطبية.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتعلق فقط بتطوير نماذج أكثر دقة، بل أيضاً بتعليم المستخدمين كيفية فهم نتائجها وحدودها، ومنع تحول المعلومات الصحية إلى مصدر إضافي للضغط النفسي.
من يملك بياناتك الصحية إذا أصبحت مفتاحاً للتنبؤ بمستقبلك؟
تتجاوز المسألة حدود الطب والتكنولوجيا عندما يتعلق الأمر بخصوصية المعلومات. فإذا جمع نظام ذكاء اصطناعي التاريخ الطبي الكامل لشخص، وحلل نتائجه المخبرية وأمراضه وأدويته وعاداته اليومية، فقد يتمكن من إنتاج تقديرات أكثر تخصيصاً للمخاطر الصحية والعمر المتوقع.
لكن هذه القدرة تطرح أسئلة قانونية وأخلاقية معقدة: من يستطيع الوصول إلى تلك البيانات؟ وكيف تُخزن وتُستخدم؟ وهل يحق للشركات الاحتفاظ بها أو الاستفادة منها في أغراض أخرى غير التي قدمها المستخدم من أجلها؟
وتزداد حساسية هذه الأسئلة إذا وصلت المعلومات إلى شركات التأمين أو أصحاب العمل، أو استُخدمت في قرارات تتعلق بالتغطية التأمينية أو التوظيف أو تحديد بعض الخدمات. فالتقدير الاحتمالي للمخاطر قد يتحول عندئذ إلى عامل يؤثر في فرص الشخص وحقوقه، حتى لو لم يكن التنبؤ مؤكداً.
كما يمكن أن تنشأ مشكلة أخرى إذا لم تكن النماذج متساوية الدقة في التعامل مع جميع الفئات السكانية. فالبيانات المستخدمة في التدريب قد لا تمثل كل الأعمار أو الخلفيات الصحية بالقدر نفسه، ما قد يؤدي إلى تقديرات أقل موثوقية لبعض المجموعات.
لذلك، يتطلب استخدام هذه التقنيات وضع ضوابط واضحة بشأن الموافقة على معالجة البيانات، وحدود الاحتفاظ بها، والجهات التي يمكنها الاطلاع عليها، وحق المستخدم في معرفة كيفية استخدامها. ويظل من الضروري أيضاً التمييز بين المعلومات التي يحتاج إليها الطبيب لتحسين الرعاية وبين البيانات التي قد تستغل لاتخاذ قرارات تجارية أو إدارية تمس حياة الفرد.
«الحق في عدم المعرفة».. هل من الأفضل ألا تعرف؟
يعترف آخنباخ بأنه فكر جدياً في مطالبة برنامج «كلود» بتحليل ملفه الصحي بالكامل وتقدير السنوات المتبقية من حياته، لكنه تراجع عن الفكرة.
لم يكن تراجعه نابعاً من رفض التكنولوجيا أو التشكيك في قدرتها على تحليل البيانات، بل من إدراكه أن الحصول على إجابة قد يغير علاقته بالمستقبل من دون أن يمنحه سيطرة حقيقية عليه.
فإذا أخبره البرنامج بأنه قد يعيش عشرين عاماً إضافياً، فهل سيشعر بالراحة؟ أم سيبدأ في التفكير في السنوات التي انقضت وما تبقى منها؟ وإذا كان التقدير أقل مما يتوقع، فهل سيمنحه ذلك فرصة لإعادة ترتيب أولوياته، أم سيحول كل يوم إلى تذكير دائم بنهاية محتملة؟
لا توجد إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، لأن تأثير المعرفة يختلف من شخص إلى آخر. فقد يرغب بعض الأشخاص في الحصول على تقديرات صحية تساعدهم في التخطيط المالي أو اتخاذ قرارات علاجية، بينما يفضل آخرون عدم معرفة معلومات قد لا يستطيعون تغييرها، أو قد تسبب لهم قلقاً مستمراً.
وهنا يظهر مفهوم «الحق في عدم المعرفة»، وهو مبدأ معروف في أخلاقيات الطب، يرتبط بحق الإنسان في اختيار عدم تلقي بعض المعلومات المتعلقة بصحته، وفق طبيعة الحالة والسياق الطبي والقانوني. وتبرز أهمية هذا الحق عندما تكون المعلومة غير مؤكدة، أو عندما لا توجد وسيلة واضحة لتغيير النتيجة المحتملة.
ولا يعني ذلك أن الجهل بالمخاطر أفضل دائماً، أو أن تجنب المعلومات الصحية هو الخيار الصحيح للجميع. فمعرفة بعض المخاطر قد تتيح الوقاية أو العلاج المبكر، لكن الحصول على كل معلومة ممكنة ليس بالضرورة مفيداً في كل الظروف.
والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المعلومة ستساعد الإنسان على اتخاذ قرار أفضل، أم ستضيف إلى حياته عبئاً نفسياً من دون فائدة عملية واضحة.
شقيق يختار الحاضر بدلاً من الانشغال بالمستقبل
في مقابل انشغاله بالتخطيط للشيخوخة ونهاية الحياة، يستحضر الكاتب تجربة شقيقه البالغ 67 عاماً، الذي لا يميل إلى وضع خطط تفصيلية لكل ما قد يحدث في سنواته المقبلة، ويفضل التركيز على صحته ونظامه الغذائي والاستمتاع بالحاضر.
وعندما سأله عن استعداداته للشيخوخة، أوضح أنه يفضل أن يعيش كل يوم كما يأتي، من دون أن يظل منشغلاً بما قد يحدث لاحقاً أو بما قد يندم عليه في المستقبل.
ويصف الكاتب جانباً من روتين شقيقه الغذائي الدقيق، الذي يبدأ بتحضير الشوفان وتركه ليبرد طوال الليل، ثم تناوله في وجبة إفطار تضم اللبن اليوناني الخالي من الدهون والسكر، والتوت الأزرق العضوي، وقليلاً من شراب القيقب، والجوز، وقطع الشمام والخوخ.
وقد تبدو هذه التفاصيل اليومية بعيدة عن السؤال المتعلق بالذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالموت، لكنها تعكس اختلافاً في طريقة التعامل مع التقدم في العمر. فبينما يحاول أحدهما فهم المستقبل والاستعداد لاحتمالاته، يركز الآخر على العادات التي يستطيع التحكم فيها اليوم.
ولا يعني هذا أن التخطيط للمستقبل خطأ، أو أن العيش في الحاضر يلغي أهمية الاستعداد المالي والطبي. بل إن التجربتين تكشفان عن حاجة الإنسان إلى التوازن بين الأمرين: الاستعداد لما يمكن الاستعداد له، من دون السماح للمجهول بأن يستحوذ على تفاصيل الحياة اليومية.
التكنولوجيا قد تتوقع العمر.. لكنها لا تحدد كيف نعيشه
من المرجح أن تتطور النماذج الطبية القائمة على الذكاء الاصطناعي، وأن تصبح أكثر قدرة على دمج المعلومات الصحية وتقدير المخاطر الشخصية. وقد تسهم هذه الأدوات في مساعدة الأطباء على تحديد المرضى الأكثر حاجة إلى المتابعة، وتحسين التخطيط للعلاج، وتقديم معلومات أكثر تخصيصاً بشأن بعض الاحتمالات الصحية.
لكن هذا التطور لن يلغي الفارق بين التنبؤ الإحصائي والمصير الفردي. فالعمر الذي قد يبلغه الإنسان يتأثر بعوامل متعددة، بعضها معروف ويمكن التأثير فيه، وبعضها غير متوقع أو لا يمكن التحكم فيه بالكامل. كما أن التقديرات نفسها قد تتغير مع ظهور معلومات جديدة أو تطور الحالة الصحية أو تحسن وسائل العلاج.
والأهم أن قدرة النظام على إنتاج رقم لا تعني أن هذا الرقم يستحق أن يصبح محور حياة الإنسان. فقد تساعد المعرفة بعض الأشخاص على اتخاذ قرارات مهمة، بينما قد تجعل آخرين أكثر انشغالاً بما تبقى من أعمارهم، وأقل قدرة على الاستمتاع بما يعيشونه بالفعل.
في النهاية، لا يتعلق السؤال بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيتمكن يوماً من تقدير العمر المتوقع بدرجة أعلى من الدقة فحسب، بل بما إذا كانت معرفة هذا التقدير ستجعل حياتنا أفضل. فالتكنولوجيا قد تمنحنا صورة أكثر تفصيلاً عن المخاطر والاحتمالات، لكنها لا تستطيع أن تقرر نيابة عنا ما إذا كنا مستعدين لمواجهة تلك المعلومات، أو ما إذا كان من الأفضل الاحتفاظ ببعض الغموض الذي يحيط بالمستقبل.
وربما تكمن الحكمة في استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم صحتنا وتحسين قراراتنا، لا في مطالبته بالإجابة عن كل سؤال يمكن طرحه. فبدلاً من الانشغال بتاريخ محتمل لنهاية الحياة، قد يكون الأجدى التركيز على ما يمكن فعله اليوم لجعل السنوات المقبلة أكثر صحة ومعنى، مع إدراك أن المستقبل، مهما تقدمت أدوات التنبؤ به، سيظل مفتوحاً على احتمالات لا يمكن اختزالها في رقم واحد.




