حروب المستقبل تقترب.. لماذا تراقب إسرائيل تركيا وإيران؟

استعرض بوعاز ليفي، رئيس شركة الصناعات الجوية والفضائية الإسرائيلية وأحد أبرز المسؤولين عن تطوير منظومة «حيتس» الدفاعية، رؤيته لشكل ساحات القتال خلال العقدين المقبلين، متوقعاً تحولاً متسارعاً في طبيعة الحروب مع تنامي الاعتماد على الفضاء والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل والروبوتات والطائرات المسيّرة والصواريخ.
وقال ليفي إن التحول الأبرز لن يقتصر على تطوير الأسلحة والمنصات العسكرية، بل سيمتد إلى طريقة إدارة المعارك وربط مختلف الجهات المشاركة فيها، من القوات العسكرية والأمنية إلى فرق الإنقاذ والمستشفيات، ضمن شبكة معلومات موحدة.
الفضاء في قلب المعركة
واعتبر ليفي أن أقمار «أوفيك» تمثل أحد أبرز مؤشرات توسع القدرات الفضائية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن صور الأقمار الصناعية أصبحت جزءاً من عملية التخطيط العسكري وتحديد الأهداف وتقييم نتائج العمليات.
وأوضح أن الطيار يمكنه، قبل تنفيذ المهمة، تلقي معلومات مصدرها الأقمار الصناعية تساعده في تحديد مسار الطيران وموقع الهدف، ثم الحصول على بيانات لاحقة لتقييم نتيجة الضربة.
وأشار إلى أن إسرائيل أطلقت خلال عام واحد، وفي خضم الحرب، ثلاثة أقمار صناعية، بينها قمر الاتصالات «درور» وقمران للمراقبة من سلسلة «أوفيك».
وقال إن إطلاق هذه الأقمار خلال فترة الحرب يعكس، من وجهة نظره، أهمية القدرات الفضائية بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، مضيفاً أن زيادة عدد أقمار المراقبة تؤدي إلى تراكم كميات كبيرة من البيانات التي يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليلها.
أقمار لمراقبة إيران وتركيا
وعن إمكانية نشر عدد أكبر من الأقمار الصناعية الصغيرة لمراقبة مناطق تمتد من إيران إلى تركيا، قال ليفي إن الفكرة ليست بعيدة المنال، موضحاً أن البرنامج يقوم على نشر عدد كبير من الأقمار ضمن خطة محددة، وليس على إطلاق أعداد غير محدودة منها.
وأشار إلى أن العاملين الأساسيين في هذا المجال هما عدد مرات رصد الهدف ومستوى الدقة والوضوح في المعلومات التي توفرها الأقمار الصناعية.
وقال إن العمل يجري على تطوير منظومة تتيح لمجتمع الاستخبارات متابعة ما يحدث في المناطق ذات الأهمية بصورة مستمرة، بالاعتماد على أجهزة استشعار فضائية وخوارزميات متقدمة للذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن البرنامج حصل على موافقة حكومية وبدأ تنفيذه، بتمويل يأتي جزئياً من مخصصات البحث والتطوير في الشركة وجزئياً من وزارة الدفاع.
ويرى ليفي أن زيادة التمويل يمكن أن تسرّع تنفيذ البرنامج، مؤكداً أن إسرائيل تسعى إلى تعزيز موقعها ضمن الدول الأكثر تقدماً في مجال الفضاء.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الجيوش
بحسب رؤية ليفي، فإن التحول المقبل لن يتعلق بالمنصات العسكرية وحدها، بل بطريقة تفكير الجيوش وآليات اتخاذ القرار في ساحات القتال.
وقال إن تنامي القدرات ذاتية التشغيل يفرض تخفيف العبء عن الجنود في الميدان من خلال توسيع استخدام الروبوتات والأنظمة المؤتمتة، مشيراً إلى أن الحرب الأخيرة أظهرت بعض المؤشرات على هذا الاتجاه.
وأوضح أن تطوير هذه المنظومات يتطلب، إلى جانب الروبوتات، أجهزة استشعار متقدمة ومستودعات ضخمة للبيانات، بما يسمح لخوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحليل المعلومات واستخلاص الأنماط والتغيرات.
وضرب مثالاً بنظام رادار يراقب منطقة معينة على مدى سنوات، موضحاً أن تسجيل التغيرات المتراكمة يتيح مقارنة الوضع الحالي بالبيانات السابقة، بما يساعد على تقدير التطورات المحتملة.
وأشار إلى أن الشركة تعمل على بناء مستودعات للبيانات وتشكيل فرق متخصصة في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الأنظمة التشغيلية.
حروب بلا خطوط مواجهة
ويرى ليفي أن الحروب المستقبلية لن تقتصر على خطوط تماس واضحة كما كان الحال في نماذج الحروب التقليدية، بل ستنتقل بصورة متزايدة إلى داخل المدن والمناطق السكنية.
وقال إن تجربة الحروب الحديثة، بما فيها الحرب في أوكرانيا والحروب التي شهدتها إسرائيل، أظهرت تراجع أهمية مفهوم «خط المواجهة» التقليدي.
وبناءً على ذلك، يعتقد أن إدارة الحرب ستتطلب مشاركة جهات متعددة في الوقت نفسه، تشمل الجيش وقوات الأمن والمدنيين وفرق الإنقاذ والمستشفيات وحتى المؤسسات المدنية والاقتصادية.
وأكد أن سيارة الإسعاف ومروحية الإنقاذ والوحدة العسكرية يجب أن تعمل وفق صورة معلوماتية مشتركة، بما يتيح تنسيق الاستجابة واتخاذ القرارات على أساس بيانات موحدة.
وقال إن التكنولوجيا اللازمة لتحقيق هذا الترابط متوافرة بالفعل، لكن تطويرها وتوسيع استخدامها يتطلبان استثمارات إضافية.
وأضاف أن تكلفة الحروب المرتفعة تفرض على إسرائيل اتخاذ قرارات مبكرة بشأن الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية، محذراً من أن تأجيل الإنفاق على هذه القدرات قد يؤدي إلى نقص الحلول المطلوبة مستقبلاً.
ساحة معركة متعددة الجبهات
وعند الحديث عن شكل ساحة المعركة بعد 10 أو 20 عاماً، شبّه ليفي المشهد بلعبة تجري على عدة رقع شطرنج في وقت واحد، في إشارة إلى تعدد الجبهات والتهديدات التي قد تواجهها إسرائيل.
وأشار إلى سيناريو يشمل جبهات تمتد من اليمن وإيران إلى سوريا ولبنان، معتبراً أن تعدد مصادر التهديد سيجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً.
ويرى أن مستقبل القتال سيعتمد على شبكة مترابطة من أجهزة الاستشعار والذخائر والأنظمة ذاتية التشغيل ووسائل القيادة والسيطرة، بحيث تتبادل هذه الأنظمة البيانات بصورة مستمرة وتحدد الاستجابة وفق طبيعة التهديد والموارد المتاحة.
وقال إن الهدف يتمثل في إنشاء مخزون معلوماتي مشترك تتدفق منه البيانات إلى مختلف الجهات، بما يسمح بتحديد الاستجابة المناسبة وفق المعلومات التي توفرها أجهزة الاستشعار ووسائل التنفيذ المتاحة.
المسيّرات.. التحدي المتصاعد
وتحتل الطائرات المسيّرة موقعاً رئيسياً في تصور ليفي لساحة المعركة المقبلة، إذ أقر بأن إسرائيل بدأت التعامل مع هذا التهديد في وقت متأخر نسبياً، عازياً ذلك جزئياً إلى قيود الميزانية واختلاف الأولويات.
وأوضح أن التعامل مع الطائرات المسيّرة يبدأ من القدرة على اكتشافها، معتبراً أن الرصد يمثل المرحلة الأساسية التي تسبق أي محاولة لاعتراضها.
وبعد اكتشاف الطائرة المسيّرة، تأتي مرحلة الاعتراض، التي يمكن أن تعتمد على وسائل مختلفة، بينها الأسلحة التقليدية والتدابير الإلكترونية وأشعة الليزر.
وشدد ليفي على أن التعامل مع أسراب المسيّرات أو الهجمات التي تأتي من اتجاهات متعددة يتطلب منظومة تجمع عدة تقنيات تعمل بصورة متكاملة، بدلاً من الاعتماد على وسيلة واحدة.
منظومة صاروخية متكاملة
وفي إطار تطوير قدرات مواجهة التهديدات الصاروخية، يجري العمل على تطوير منظومة استجابة متكاملة على المستوى الوطني، فيما تعمل الصناعات الدفاعية على دمج قدراتها ضمن هذه المنظومة.
وتطرق ليفي إلى النقاش المتعلق بإنشاء فيلق صاروخي مستقل، معتبراً أن جوهر المسألة لا يتعلق بالجهة التي ستتولى تشغيل الصواريخ، بل بمدى الحاجة إليها والقدرات المطلوبة منها.
وقال إن إسرائيل تحتاج إلى الصواريخ للتعامل مع سيناريوهات محددة، مشيراً إلى أن الحرب الأخيرة أظهرت أهمية هذه القدرات في توفير أدوات هجومية بعيدة المدى.
وأضاف أن تحديد الجهة التي ستشغّل هذه المنظومات، سواء القوات الجوية أو البرية أو تشكيل مستقل، يأتي في مرتبة لاحقة مقارنة بقرار تطوير الصواريخ وتحديد المهام التي ستُستخدم من أجلها.
منظومة فضائية تتوسع
وفي ما يتعلق بطموحات شركة الصناعات الجوية والفضائية الإسرائيلية في مجال الفضاء، قال ليفي إن الشركة تعتبر نفسها صاحبة خبرة متقدمة في هذا القطاع، مشيراً إلى أن برنامجها الفضائي يعود إلى عقود مضت.
وأوضح أن الاهتمام الإسرائيلي بتطوير أقمار المراقبة بدأ بصورة أكبر في أعقاب الانسحاب من سيناء، عندما برزت، وفق روايته، حاجة إلى تقليص فجوة استخباراتية عبر تطوير قدرات مراقبة من الفضاء.
وأشار إلى أن الفكرة في ذلك الوقت تمثلت في إطلاق أقمار صناعية مزودة بأجهزة استشعار قادرة على مراقبة الأرض من ارتفاعات كبيرة.
وقال إن إسرائيل كانت في تلك المرحلة من بين عدد محدود من الدول التي امتلكت طموحاً وقدرات لتطوير مثل هذه المنظومات، قبل أن تتوسع لاحقاً في برامج الأقمار الصناعية والاستطلاع الفضائي.
وتشير هذه الرؤية إلى اتجاه متزايد نحو دمج القدرات الفضائية مع الاستخبارات والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، بما يجعل المعلومات والقدرة على تحليلها وتوزيعها جزءاً أساسياً من إدارة الحروب المقبلة. كما تظهر تقارير حديثة توجهاً إسرائيلياً لتوسيع برامج الفضاء الدفاعية وربطها بالاتصالات والاستخبارات والقدرات العسكرية.




