أخبــاربلاد الجوارتقاريرنبض الساعة

تحرك شعبي في العراق… هل تتغير معادلة السلاح؟

تواجه الفصائل العراقية الرافضة لحصر السلاح بيد الدولة تحدياً يتجاوز الضغوط السياسية والمهلة الحكومية المخصصة لمعالجة ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية، مع بروز مؤشرات على تراجع التأييد الشعبي لخطابها، مقابل تنامي الثقة بالجيش والأجهزة الأمنية.

ويقول مصدر سياسي عراقي إن جوهر الأزمة التي تواجهها هذه الفصائل يتمثل في تراجع قدرتها على تقديم مبررات مقنعة للاحتفاظ بالسلاح، في ظل خشية شريحة واسعة من العراقيين من أن يؤدي انخراطها في الصراعات الإقليمية إلى إعادة البلاد إلى دائرة الحرب.

ويضيف أن جزءاً متزايداً من الشارع العراقي بات ينظر إلى احتمال دخول الفصائل في مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو انخراطها في حرب إلى جانب إيران، باعتباره تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي.

ثقة متزايدة بالجيش

وتبرز استعادة المؤسسة العسكرية والأمنية لثقة العراقيين كأحد أهم العوامل التي غيّرت النقاش حول السلاح خارج الدولة.

وأظهرت بيانات حديثة أن 82% من العراقيين أعربوا خلال 2025 عن ثقتهم بالجيش، وهي النسبة نفسها التي سجلتها الشرطة، فيما قال 81% إنهم يشعرون بالأمان أثناء السير ليلاً في مناطقهم، مقارنة بنسبة 34% عام 2009.

وتتوافق هذه المؤشرات مع نتائج استطلاعات أخرى أظهرت تصدر القوات المسلحة والشرطة قائمة المؤسسات التي تحظى بثقة العراقيين.

ويرى الباحث السياسي مهند الجنابي أن ارتفاع الثقة بالمؤسسات الأمنية يعكس تحولاً مهماً في البيئة العراقية، خصوصاً أن الجيش تمكن خلال السنوات الماضية من إعادة بناء قدراته بعد الانتكاسة التي تعرض لها أمام تنظيم داعش عام 2014، وخاض معارك طويلة انتهت باستعادة السيطرة على معظم الأراضي.

وبحسب الجنابي، فإن انتهاء الحرب ضد داعش وتغير الظروف التي رافقت تشكيل الحشد الشعبي أضعفا المبررات التي استندت إليها بعض الفصائل للإبقاء على تشكيلات مسلحة وقرار عسكري منفصل عن الدولة.

وبذلك، لم يعد الجدل متعلقاً بالدور الذي لعبته الفصائل خلال الحرب على داعش، بقدر ما أصبح مرتبطاً بمستقبل وضع استثنائي نشأ خلال الحرب وتحول لاحقاً إلى واقع دائم.

إيران وعبء النفوذ الخارجي

ويتزامن هذا التحول مع تراجع تقبل قطاعات من العراقيين للنفوذ الإيراني، وهو ما يضع الفصائل المرتبطة بطهران أمام تحدٍ إضافي.

وأظهرت استطلاعات للرأي أن 70% من العراقيين يعتبرون النفوذ السياسي الإيراني في المنطقة تهديداً خطيراً للمصالح الأمنية للعراق، فيما يرى 75% أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً مماثلاً.

وتزداد أهمية هذه الأرقام مع تحول احتمال انخراط العراق في أي مواجهة إقليمية إلى محور رئيسي في النقاش حول السلاح. فالفصائل الأكثر تشدداً في رفض تسليم سلاحها ترتبط بدرجات مختلفة بإيران، ما يثير تساؤلات داخل الشارع العراقي بشأن ما إذا كان استمرار ترسانتها يحمي البلاد أم يجعلها طرفاً في صراع لا يخدم مصالحها.

ويعتقد الجنابي أن المزاج العراقي يتجه بصورة متزايدة نحو تثبيت قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وهو ما يجعل استمرار جماعات مسلحة ذات ارتباطات خارجية أكثر صعوبة من الناحية الشعبية.

لماذا دخلت البيشمركة على الخط؟

في المقابل، أثارت الفصائل ملف البيشمركة والقوات التركية الموجودة في شمال العراق ضمن نقاشها حول حصر السلاح، في خطوة يرى المصدر السياسي أنها تهدف إلى توسيع دائرة الاعتراض على القرار الحكومي.

ويقول المصدر إن طرح سؤال يتعلق بسبب استهداف سلاح الفصائل دون غيره يتيح لها نقل النقاش من شرعية ترسانتها إلى قضية أوسع تتصل بالتعامل مع مختلف القوى المسلحة داخل العراق.

وخلال الأسابيع الماضية، برزت مطالب مرتبطة بالبيشمركة والوجود العسكري التركي ضمن خطاب الفصائل الرافضة لحصر السلاح، بالتزامن مع استمرار مواقف بعض الجماعات المسلحة الرافضة للتخلي عن ترسانتها.

لكن وضع البيشمركة يختلف من الناحية القانونية، كونها جزءاً من المنظومة الأمنية لإقليم كردستان، رغم استمرار الخلافات المتعلقة ببنيتها وانقساماتها الحزبية والحاجة إلى استكمال توحيدها.

قوة انتخابية لا تعني تفويضاً عسكرياً

ولا يعني تراجع التأييد الشعبي لخطاب السلاح أن القوى السياسية المرتبطة بالفصائل فقدت نفوذها. فما تزال هذه القوى تمتلك قواعد انتخابية وشبكات سياسية وخدمية واسعة، كما تمكنت بعض أجنحتها من تحقيق مكاسب في الانتخابات الأخيرة.

إلا أن الجنابي يلفت إلى ضرورة الفصل بين التصويت لحزب يمتلك حضوراً سياسياً وخدمياً وبين منح الفصيل المرتبط به تفويضاً مستقلاً للاحتفاظ بالسلاح أو اتخاذ قرار الحرب.

وتكمن المفارقة في أن الفصائل ما تزال تمتلك نفوذاً داخل النظام السياسي، لكن هذا النفوذ لا يعني بالضرورة أن السلاح الذي تحتفظ به يحظى بالشرعية الشعبية نفسها.

وفي موازاة ذلك، بدأت الحكومة العراقية في التعامل مع الملف باعتباره معركة على الرأي العام أيضاً، عبر تكثيف الرسائل الإعلامية الداعمة لحصر السلاح بيد الدولة، في محاولة لتوسيع قاعدة التأييد لهذا التوجه خارج المؤسسات السياسية.

صراع على الشرعية

ويعتقد الجنابي أن ارتفاع ثقة العراقيين بالجيش يمنح الدولة فرصة أكبر لفرض رؤيتها بشأن السلاح مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما أصبح المواطن أمام مؤسسة أمنية يُنظر إليها باعتبارها قادرة على أداء دور الحماية.

وهذا التحول يضع الفصائل الرافضة لحصر السلاح أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فهي لا تواجه فقط قراراً حكومياً، بل تتعامل مع مزاج شعبي بات أكثر حساسية تجاه احتمال جر العراق إلى صراعات إقليمية.

وبالتالي، قد لا يتحدد مستقبل هذه الجماعات بمدى امتلاكها للصواريخ والطائرات المسيّرة أو قدرتها على مقاومة الضغوط السياسية، بقدر ما سيتوقف على قدرتها على الإجابة عن سؤال جوهري يزداد حضوراً في الشارع العراقي: لماذا يبقى السلاح خارج مؤسسات الدولة إذا كان العراقيون يثقون بجيشهم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى