أخبــاربلاد الشام

مواد نووية في سوريا… هل تقترب منها “داعش” وإيران؟

تثير المواد النووية المتبقية في سوريا تساؤلات أمنية حساسة، في ظل تضارب المعلومات بشأن مصيرها، وعدم وضوح ما إذا كانت ستُنقل إلى خارج البلاد أم ستبقى في عهدة السلطات السورية تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبحسب تقرير حديث، أفادت تقارير في 10 آب بأن الولايات المتحدة توصلت إلى تفاهمات مع سوريا وإسرائيل، تقضي بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إزالة مواد نووية من موقع يُعرف باسم «الموقع 99» في سوريا.

ويضم الموقع، وفق التقارير، بقايا من البرنامج النووي السري لنظام الأسد، بينها مادة «الكعكة الصفراء» المصنوعة من اليورانيوم. وكانت إسرائيل تراقب الموقع، وأكدت رفضها بقاء هذه المواد فيه.

لكن بياناً مشتركاً صدر عن سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية في 18 آب قدّم رواية مختلفة، إذ أشار إلى أن المواد النووية التي أعلنت عنها دمشق ستبقى تحت عهدة السلطات السورية، على أن توضع ضمن الضمانات الدولية. كما زار مفتشو الوكالة موقعاً في دير الزور وموقعاً آخر مرتبطاً بمواد لم تعلن عنها السلطات السورية إلا في تموز 2026.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الروايتان تتناولان الموقع نفسه والمواد ذاتها. وقد تكون مواد «الموقع 99» لا تزال مهيأة للإزالة، بينما تبقى كميات أخرى داخل سوريا، أو ربما خضعت التفاهمات السابقة للتعديل. ولم يصدر حتى الآن توضيح علني يحسم هذا التباين.

وترتبط المواد، وفق التقارير، ببرنامج «الكبر» النووي التابع لنظام الأسد، والذي تمحور حول مفاعل سري أُنشئ في منطقة دير الزور بمساعدة كوريا الشمالية، وصُمم على غرار مفاعل يونغبيون، المرتبط بإنتاج البلوتونيوم في البرنامج النووي لكوريا الشمالية.

وكان المفاعل السوري مخصصاً لإنتاج البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية، إلا أن إسرائيل دمرته في أيلول 2007، قبل دخوله مرحلة التشغيل بفترة قصيرة. وبعد الهجوم، أزال نظام الأسد آثار المنشأة وحجب المعلومات المتعلقة بها، كما قيّد لسنوات وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع والأشخاص المرتبطين بالبرنامج.

ما هي «الكعكة الصفراء»؟

«الكعكة الصفراء» عبارة عن مسحوق مركز يحتوي على مركبات اليورانيوم، وينتج عن المعالجة الأولية لخام اليورانيوم. وهي ليست مادة مخصبة ولا يمكن استخدامها بمفردها في تصنيع سلاح نووي، لكنها تمثل مادة أولية ضمن دورة معالجة اليورانيوم وتخصيبه.

ولا يمكن استخدام المواد الموجودة في «الموقع 99» مباشرة لصنع قنبلة نووية، لكنها قد تحمل مخاطر أخرى، بينها إمكانية استخدامها كمصدر لمادة مشعة في تصنيع «قنبلة قذرة».

وتُخزّن «الكعكة الصفراء» عادة في صورة مسحوق جاف داخل براميل معدنية محكمة الإغلاق، ضمن مبانٍ مؤمنة. ورغم أن مستوى الإشعاع الخارجي منها منخفض نسبياً، فإن انتشار المسحوق أو استنشاقه أو ابتلاعه قد يسبب مخاطر إشعاعية وكيميائية، ما يجعل تأمين الوصول إليه وإدارة المخزون وفحص الحاويات ومراقبتها بشكل مستمر أمراً ضرورياً.

الرقابة الدولية لا تكفي

يمثل تعاون السلطات السورية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تطوراً إيجابياً، لكنه لا يعني انتهاء المخاطر. فالوكالة تستطيع التحقق من المواد المعلنة، وتفتيش المواقع التي يُسمح لها بدخولها، وتركيب أنظمة مراقبة، لكنها ليست قوة أمنية ولا تتولى حماية المنشآت بنفسها، كما لا تستطيع بصورة مستقلة منع السرقة أو النقل أو استيلاء جهة مسلحة على المواد.

وبالتالي، تبقى المسؤولية المباشرة عن حماية المخزون داخل الأراضي السورية على عاتق الدولة، وهي النقطة التي تثير أكبر قدر من المخاوف.

فسوريا لا تزال تعاني هشاشة أمنية، ولا تملك سيطرة كاملة ومتواصلة على جميع أراضيها. كما يواصل تنظيم «داعش» نشاط خلاياه واستغلال الثغرات الأمنية، في وقت تحاول فيه شبكات مرتبطة بإيران الحفاظ على نفوذها داخل البلاد. كذلك لا تزال المؤسسات العسكرية والأمنية الجديدة في مرحلة إعادة البناء.

وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن استبعاد محاولات من جانب خلايا «داعش» أو شبكات مرتبطة بإيران أو جماعات إجرامية للوصول إلى جزء من المواد. كما يبرز احتمال آخر يتمثل في استيلاء عناصر داخل الأجهزة الأمنية على المواد واستخدامها كورقة ضغط في حال اندلاع تمرد أو صراع داخلي.

ولا يكمن الخطر الأساسي في قدرة سوريا على تصنيع سلاح نووي في المستقبل القريب، بل في احتمال سرقة مواد مشعة أو تهريبها أو الاتجار بها أو استخدامها في أعمال إرهابية وابتزازية.

ماذا لو تغير موقف دمشق؟

لا يرتبط مصدر الخطر بالضرورة بسرقة المواد من جانب جماعة مسلحة، بل قد يتصل أيضاً بتغير موقف السلطات السورية نفسها. فالسلطات تتعاون حالياً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتسعى إلى تعزيز علاقاتها الدولية، ولا توجد أدلة على نيتها استخدام المواد لأغراض عسكرية.

لكن بقاء هذه المواد داخل سوريا قد يتحول مستقبلاً من قضية أمنية إلى مصدر قلق بشأن الانتشار النووي، في حال تغيرت سياسة الحكومة، أو تصاعد نفوذ عناصر متشددة داخل مؤسساتها، أو تدهورت علاقاتها مع المجتمع الدولي.

وفي مثل هذا السيناريو، قد تواجه الوكالة قيوداً على عمليات التفتيش، أو قد تُخفى أجزاء من المخزون أو تُنقل إلى مواقع أخرى، فيما يمكن أن تتحول المواد إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية.

ويزيد تاريخ برنامج «الكبر» من حساسية هذا الاحتمال، إذ تمكن نظام الأسد من تطوير برنامج نووي سري على مدى سنوات رغم وجود آليات للرقابة الدولية.

هل كشفت سوريا كل شيء؟

يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت السلطات السورية قد كشفت بالفعل عن جميع المواقع والمخزونات المرتبطة بالبرنامج النووي السابق.

فقد أشار تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في أيلول 2025 إلى العثور على جزيئات من اليورانيوم الطبيعي المعالج كيميائياً في عينات مأخوذة من أحد ثلاثة مواقع، فيما لم تتمكن السلطات السورية الجديدة من تحديد مصدرها.

كما ظهرت لاحقاً مواد في موقع آخر لم يكن مدرجاً ضمن المواقع المعلنة سابقاً، ما يعزز احتمال أن تكون صورة البرنامج النووي السوري لا تزال غير مكتملة.

وعليه، تبدو الرقابة الدولية ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. فالمطلوب هو إجراء مسح شامل للمواقع والمخزونات، والوصول إلى الأشخاص الذين شاركوا سابقاً في البرنامج النووي، وضمان حماية ميدانية موثوقة، ومراقبة مستمرة، إلى جانب مزيد من الشفافية بشأن أي أدوار خارجية في هذا الملف.

وإلى أن تتضح الصورة كاملة، سيبقى مصير المواد النووية السورية مصدر قلق، خصوصاً مع استمرار المخاوف من وصولها إلى جماعات مسلحة أو شبكات مرتبطة بإيران، أو تحولها مستقبلاً إلى ورقة ضغط في صراع داخلي أو إقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى