خنق الاقتصاد الإيراني.. هل يصبح البديل عن الخيار العسكري؟

يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو استراتيجية جديدة للضغط على إيران، تقوم بصورة أكبر على تشديد القيود الاقتصادية والمالية بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات وتغيير حساباتها بعد أشهر من المواجهة.
وأعلن ترامب، الأربعاء، عزمه تنفيذ ما وصفه بأنه «أكثر عملية اقتصادية سحقاً على الإطلاق ضد أي دولة»، مهدداً باتخاذ إجراءات صارمة ضد الدول والمؤسسات التي تقدم دعماً مالياً أو تجارياً لإيران.
وتأتي الخطوة بعد توقف المحادثات بين واشنطن وطهران، وسط تقديرات بأن الإدارة الأميركية تتجه نحو استخدام الضغط الاقتصادي كأداة لاستنزاف الاقتصاد الإيراني ودفع القيادة الإيرانية إلى قبول شروط أميركية.
وقال ترامب إن الوضع «جيد للغاية في الوقت الحالي»، رغم استمرار المواجهة للشهر السادس، وعدم نجاح الضغوط العسكرية حتى الآن في دفع طهران إلى تقديم تنازلات حاسمة.
استراتيجية قائمة على الحصار الاقتصادي
هدد ترامب باتخاذ إجراءات ضد أي دولة تسمح لبنوكها أو شركاتها أو مطاراتها أو مؤسساتها الحكومية بتقديم دعم مالي لإيران، داعياً إلى تشديد الرقابة على تهريب النفط وشبكات المقايضة وتحويل الأموال ومكاتب الصرافة وسجلات السفن والشركات الوهمية التي تستخدم للالتفاف على العقوبات.
لكن تطبيق هذه الاستراتيجية قد يكون أكثر تعقيداً من فرض عقوبات جديدة، إذ بنت إيران على مدى عقود شبكة واسعة من القنوات التجارية والمالية التي تساعدها على تجاوز القيود الأميركية، وترتبط هذه الشبكات بمصالح اقتصادية في دول عدة في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
ويرى خبراء أن الضغط الاقتصادي وحده قد لا يكون كافياً لدفع القيادة الإيرانية إلى تغيير موقفها، خصوصاً أن طهران اعتادت التعامل مع العقوبات القاسية على مدى سنوات.
وأشار خبير سابق في الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية إلى أن الرهان على انهيار إيران تحت وطأة الضغط الاقتصادي قد يكون مضللاً، في ظل عدم وجود مؤشرات واضحة على استعداد القيادة الإيرانية لتغيير استراتيجيتها.
وبحسب هذا التقييم، يمكن للعقوبات أن تفرض خسائر كبيرة على الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير الحسابات السياسية والاستراتيجية للقيادة.
واشنطن بحاجة إلى تحرك دولي
إذا أرادت إدارة ترامب تحقيق تأثير واسع، فإن التحدي لن يقتصر على تشديد العقوبات الأميركية، بل سيمتد إلى محاولة إغلاق قنوات التجارة والتمويل التي تعتمد عليها إيران.
ويمكن لواشنطن زيادة الضغط عبر استهداف مصادر إيرادات الحرس الثوري وشبكاته الإقليمية، إلى جانب تعزيز التعاون مع حكومات في العراق ولبنان والضغط على الصين، التي تعد من أبرز مشتري النفط الإيراني.
وقد يؤدي استمرار الضغوط إلى زيادة التضخم وهروب رؤوس الأموال وتعميق أزمة القطاع المصرفي، بما يضعف قدرة الحكومة الإيرانية على إدارة الأزمة الاقتصادية.
لكن فرض حصار اقتصادي فعلي يتطلب تعاوناً واسعاً من حلفاء واشنطن، وهو ما قد يمثل أحد أصعب التحديات أمام ترامب.
وخلال المواجهة، أثارت الإدارة الأميركية توترات مع عدد من حلفائها بسبب التداعيات الأمنية والاقتصادية للصراع، كما اتخذ ترامب مواقف حادة تجاه دول شاركت في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران.
وتزداد صعوبة الضغط على الصين، إذ قد يكون استهداف المؤسسات المالية الصينية المرتبطة بشراء النفط الإيراني من أكثر الإجراءات تأثيراً، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تحسين العلاقات مع بكين وتجنب خطوات قد تعرقل هذا المسار.
إيران تملك أوراقاً للرد
لا يتوقف نجاح استراتيجية ترامب على قدرة الولايات المتحدة على فرض العقوبات، بل يعتمد أيضاً على طبيعة الرد الإيراني.
وتدرك طهران أن ترامب يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ما قد يدفعها إلى مواصلة المواجهة بدلاً من تقديم تنازلات في المرحلة الحالية.
ويمثل مضيق هرمز إحدى أبرز أوراق الضغط الإيرانية، إذ إن أي اضطراب جديد في حركة الملاحة أو استهداف للسفن يمكن أن يرفع تكاليف الطاقة والنقل وينعكس بصورة مباشرة على الأسواق والمستهلكين.
ويضع ذلك ترامب أمام معادلة صعبة؛ فالرد على أي تصعيد إيراني قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها الاقتصادية والسياسية، بينما قد يؤدي عدم الرد إلى انتقادات داخلية واتهامات بالتراجع أمام طهران.
كما يمكن للحرب الاقتصادية نفسها أن تتحول إلى عبء سياسي داخلي إذا أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود والسلع في الولايات المتحدة.
حرب استنزاف طويلة
وحذر مشرعون أميركيون من احتمال تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة مع إيران، يدفع المواطن الأميركي كلفتها من خلال ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.
وبذلك، تبدو استراتيجية ترامب الجديدة محاولة لنقل المواجهة من العمليات العسكرية المباشرة إلى ضغط اقتصادي طويل الأمد، لكن نجاحها سيعتمد على قدرة واشنطن على الحفاظ على هذا المسار، ومدى استعداد الحلفاء للتعاون، والأهم قدرة إيران على تحمل الضغوط والرد عليها.
ويبقى السؤال الأساسي: هل يتمكن ترامب من مواصلة الضغط الاقتصادي إلى أن تبدأ آثاره في تغيير حسابات طهران، أم أن التداعيات السياسية والاقتصادية وضغوط الأسواق والحلفاء ستدفعه إلى إعادة النظر في المسار؟




