أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

اختلال المناخ الأوروبي يغيّر المعادلات.. وإسرائيل تراقب

لم تعد موجات الحر القياسية التي تضرب أوروبا مجرد أزمة بيئية، بل تحولت إلى تحدٍ استراتيجي يمس أمن الطاقة والصحة العامة وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فيما قد تفتح تداعياتها، وفق قراءة إسرائيلية، مجالاً أمام إسرائيل لتعزيز حضورها في أسواق الطاقة والتكنولوجيا والمياه، وتوسيع نفوذها الدبلوماسي في أوروبا والمنطقة.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة إسرائيلية، فإن صيف 2026 بدد الاعتقاد بأن أزمة المناخ تمثل تهديداً بعيد المدى، بعدما شهدت أجزاء واسعة من أوروبا موجات حر متكررة ودرجات حرارة تجاوزت 35 درجة مئوية.

وتواجه دول أوروبية أحمالاً حرارية استثنائية وموجات جفاف طويلة وحرائق واسعة، فيما تشير تقديرات أوردها التحليل إلى ارتفاع عدد الحرائق في أنحاء القارة أربعة أضعاف بين عامي 2006 و2021.

وترى القراءة أن أوروبا، التي لطالما ارتبطت بالاستقرار والتخطيط طويل الأمد، تتحول تدريجياً إلى ساحة لأزمات مناخية تؤثر بصورة مباشرة في الطاقة والإمدادات والصحة العامة.

كما أدى انخفاض منسوب المياه في أنهار رئيسية، بينها الراين والدانوب والفيستولا، إلى اضطراب حركة النقل وسلاسل الإمداد الزراعية، إضافة إلى التأثير في عمليات تبريد بعض محطات الطاقة النووية في ألمانيا وفرنسا وبولندا.

وتسببت هذه الظروف في اضطرابات بشبكات الكهرباء ومحطات الطاقة، ودَفعت حكومات أوروبية إلى اتخاذ إجراءات طارئة، فيما باتت موجات الحر والجفاف والحرائق والفيضانات عوامل تضغط مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

خسائر اقتصادية متزايدة

وبحسب التحليل، ترتفع حرارة أوروبا بوتيرة أسرع من مناطق أخرى من العالم، فيما تؤثر موجات الحر، خصوصاً في جنوب القارة، في الإنتاجية البشرية وتزيد مخاطر الوفيات المرتبطة بالحرارة.

ولا تتوزع تداعيات الأزمة بالتساوي بين الدول الأوروبية، إذ تتحمل إسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال جانباً كبيراً من الأضرار، مع توقعات بتراجع ناتجها المحلي خلال العقود المقبلة نتيجة آثار التغير المناخي.

وفي المقابل، تواجه دول أخرى صعوبات في تأمين إمدادات الكهرباء، بينما تعاني مناطق في الجنوب والشرق من الجفاف الزراعي وتضرر المحاصيل وتراجع النشاط السياحي.

كما انعكست موجات الحر على السياحة الداخلية، مع تقديرات بتراجعها بنسب تتراوح بين 20 و30% في بعض المناطق.

وتتزامن هذه التداعيات مع تنافس متزايد على الموارد المالية، إذ أصبحت تكاليف التكيف مع تغير المناخ تنافس موازنات الدفاع والرعاية الصحية وبرامج الدعم الاجتماعي.

اقتصادياً، يهدد تغير المناخ بخفض معدلات النمو في الاقتصادات الأوروبية الأكثر تعرضاً للحرارة والجفاف، بينما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه إلى خفض الإنتاجية وتعطيل النقل ورفع تكاليف الطاقة.

كما يمكن أن يؤثر نقص المياه المستخدمة في تبريد بعض المنشآت النووية ومحطات الطاقة الكهرومائية في إنتاج الكهرباء، ما يزيد احتمالات ارتفاع الأسعار ويعزز الضغوط التضخمية.

ويضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الإنتاج الزراعي وزيادة الاعتماد على الواردات، ما يجعل الاقتصادات الأوروبية أكثر تعرضاً لتقلبات الأسواق العالمية.

تداعيات جيوسياسية

وترى القراءة أن أزمة المناخ لا تتوقف عند الاقتصاد، بل تكشف نقاط ضعف استراتيجية في أوروبا، خصوصاً مع ارتفاع اعتمادها على واردات الطاقة.

ومع زيادة الحاجة إلى الغاز الطبيعي المسال، تواجه الدول الأوروبية معادلة صعبة بين تأمين احتياجاتها الفورية من الطاقة والالتزام بأهداف التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري.

ويؤدي ذلك إلى زيادة أهمية موردي الطاقة، من دول الخليج إلى الولايات المتحدة والنرويج، ويمنحهم هامشاً إضافياً للتأثير في الحسابات الأوروبية.

كما قد يؤدي تراجع أمن الطاقة والغذاء إلى زيادة الضغوط المرتبطة بالهجرة، وتفاقم الخلافات بين الدول الأعضاء حول كيفية توزيع تكاليف مواجهة الأزمة.

وبحسب التحليل، فإن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالأضرار المناخية تقدر حالياً بمليارات اليورو، فيما قد تتزايد خلال السنوات المقبلة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة.

وتحذر القراءة من أن استمرار الضغوط المناخية قد يدفع الحكومات الأوروبية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بما يشمل الإنفاق على البنية التحتية والصحة والطاقة، على حساب قطاعات أخرى بينها الدفاع.

وقد يصبح ذلك أكثر حساسية في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والحاجة الأوروبية إلى تعزيز القدرات العسكرية والإنفاق الدفاعي.

إسرائيل تبحث عن فرصة

في المقابل، ترى القراءة الإسرائيلية أن التحولات المناخية والاقتصادية في أوروبا قد تمنح إسرائيل فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي.

وتشير إلى أن اتفاقات الطاقة بين إسرائيل ومصر والاتحاد الأوروبي تمنح إسرائيل دوراً متزايداً في منظومة أمن الطاقة الأوروبية، ويمكن أن تتحول إمدادات الغاز إلى أداة ذات أهمية دبلوماسية أكبر.

كما قد تزداد الحاجة الأوروبية إلى التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات تحلية المياه والطاقة المتجددة والزراعة الدقيقة وإدارة الموارد المائية، وهي قطاعات تمتلك فيها إسرائيل خبرات متقدمة.

وقد يدفع ذلك أيضاً إلى تعزيز التعاون بين إسرائيل ومصر والأردن ودول الخليج في ملفات المياه والطاقة والأمن الغذائي، بما يمكن أن يشكل أساساً لشراكات إقليمية أوسع.

وترى القراءة أن هذه الشراكات قد تمنح إسرائيل مساحة إضافية لتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة وأوروبا، وتوسيع نفوذها في ملفات تتجاوز الأمن والسياسة التقليدية.

لكن التحولات المناخية تحمل في المقابل مخاطر على إسرائيل نفسها، بينها تقلب أسعار الطاقة، وتزايد الهجرة المرتبطة بالمناخ، واحتمالات اضطراب الاستقرار الإقليمي، فضلاً عن تغير طبيعة أسواق الطاقة الأوروبية.

وتخلص القراءة إلى أن أزمة المناخ الأوروبية لم تعد شأناً بيئياً محضاً، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الاقتصاد والجغرافيا السياسية وأمن الطاقة.

وبالنسبة إلى إسرائيل، قد تتحول هذه التغيرات إلى فرصة لتعزيز موقعها في مجالات الطاقة والمياه والتكنولوجيا، شرط أن تقترن بسياسة استباقية واستثمارات في البنية التحتية والتقنيات المناخية وتعاون إقليمي أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى