كلفة الحرب على إيران تحت مجهر الأميركيين

بدأت المؤسسات الرسمية والإعلامية في الولايات المتحدة تتحدث بصورة أكثر وضوحًا عن حجم الخسائر التي تكبدها سلاح الجو الأميركي منذ انطلاق عملية “الغضب الملحمي”، وسط تصاعد الجدل داخل الكونغرس والبنتاغون بشأن كلفة العمليات العسكرية ضد إيران وتأثيرها على القدرات العسكرية الأميركية.
وأظهر تقرير صادر عن خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس الأميركي أن عدد الطائرات التي تعرضت للتدمير أو الأضرار خلال الحرب تجاوز 42 طائرة خلال أقل من 40 يومًا من العمليات العسكرية.
وقدّرت الخسائر الأولية للطائرات والمعدات الجوية بنحو 2.6 مليار دولار، استنادًا إلى بيانات عسكرية وتقارير صادرة عن وزارة الدفاع الأميركية والقيادة المركزية، في وقت تتواصل فيه عمليات تقييم الأضرار والخسائر الميدانية.
وجاءت هذه التقديرات بالتزامن مع جلسات استماع عقدها الكونغرس الأسبوع الماضي لمناقشة التكاليف المالية للحرب، حيث كشف مسؤولون في البنتاغون أن إجمالي الإنفاق العسكري المرتبط بالعمليات ضد إيران اقترب من 29 مليار دولار منذ بداية المواجهة.
وخلال الجلسات، ناقش أعضاء في مجلس النواب الارتفاع المتسارع في تكاليف الإصلاح والاستبدال، خصوصًا مع تضرر عدد من الطائرات ومنظومات الدعم الجوي والطائرات المسيّرة التي استُخدمت بكثافة في العمليات اليومية.
كما أظهرت البيانات العسكرية الأميركية ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاستهلاك المرتبطة بالعمليات الجوية، بعدما نفذت القوات الأميركية أكثر من 13 ألف طلعة جوية خلال 39 يومًا، ما تسبب بضغوط كبيرة على الأسطول الجوي ومنظومات الإمداد والصيانة والدعم الفني.
وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير عسكرية عن تراجع أعداد بعض الطائرات المسيّرة العاملة نتيجة الخسائر المباشرة في العمليات، الأمر الذي دفع وزارة الدفاع الأميركية إلى دراسة خطط عاجلة لتعزيز الإنتاج العسكري وإعادة بناء المخزون الجوي.
في المقابل، استثمرت إيران هذه الأرقام في خطابها السياسي والإعلامي، حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن القوات الإيرانية تمكنت من إسقاط طائرات أميركية متطورة خلال المواجهات الأخيرة، مشيرًا إلى أن الكونغرس الأميركي بدأ بدوره بالإقرار بحجم الخسائر التي تعرضت لها واشنطن خلال الحرب.
ومع استمرار العمليات العسكرية واتساع فاتورة الإنفاق، تتزايد داخل واشنطن التساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على تعويض خسائر سلاح الجو والحفاظ على وتيرة العمليات الحالية، خصوصًا في ظل الضغوط المرتبطة بالإنتاج العسكري وسرعة توفير البدائل والمعدات اللازمة لاستمرار الحرب.
وفي هذا السياق، أكد الخبير العسكري العميد نضال زهوي أن تقييم الخسائر الأميركية لا يجب أن يقتصر على عدد الطائرات المدمرة أو المتضررة، بل يجب أن يرتبط أيضًا بنوعية الطائرات وقيمتها الاستراتيجية.
وأوضح أن الولايات المتحدة تمتلك أسطولًا جويًا ضخمًا ومتعدد المهام، وبالتالي فإن فقدان 42 طائرة لا يعني بالضرورة حدوث تحول مباشر في مسار العمليات العسكرية، إلا أن بعض الطرازات المتقدمة، وعلى رأسها مقاتلات “إف-35”، تمثل قيمة استراتيجية عالية بسبب تعقيد تصنيعها وارتفاع تكلفتها والحاجة إلى وقت طويل لتعويضها.
وأشار إلى أن الاستنزاف لا يقتصر على الطائرات المقاتلة، بل يمتد بصورة أكبر إلى طائرات الاستطلاع والتجسس وطائرات التزوّد بالوقود، موضحًا أن هذا النوع من الطائرات يواجه ضغوطًا متزايدة مع استمرار العمليات العسكرية.
كما لفت إلى أن الأزمة الأبرز تتعلق بالصواريخ الاعتراضية، موضحًا أن القدرة الإنتاجية الأميركية لا تتجاوز 30 صاروخًا شهريًا، مقابل قدرة إيرانية تصل إلى نحو 100 صاروخ باليستي شهريًا، معتبرًا أن هذا الفارق يعكس خللًا واضحًا في ميزان الإنتاج العسكري.
وأكد أن شركات الصناعات الدفاعية الأميركية تعمل بأقصى طاقتها، لكنها لا تستطيع تعويض معدلات الاستهلاك المرتفعة للذخائر والصواريخ، مشيرًا إلى أن ذلك يمثل جوهر الاستنزاف الحقيقي للقدرات الأميركية، إلى جانب التداعيات الاقتصادية المرتبطة بارتفاع أسعار النفط وتأثر سلاسل التوريد العسكرية.
من جهته، رأى عضو مجلس الشرق الأوسط للسياسات في واشنطن، ماركو مسعد، أن الإدارة الأميركية تنظر إلى خسائر الحرب مع إيران باعتبارها “مقبولة” مقارنة بحجم التهديد الذي ترى واشنطن أن إيران تمثله في المنطقة.
وأوضح أن الحرب استمرت أقل من 40 يومًا، وهو ما تعتبره الإدارة الأميركية فترة قصيرة مقارنة بحروب أخرى خاضتها الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يركز في خطابه الداخلي على أن الكلفة العسكرية والاقتصادية للحرب كانت محدودة ومبررة، رغم ارتفاع أسعار الطاقة والتداعيات الاقتصادية المرافقة للعمليات العسكرية.
وأضاف أن الإدارة الأميركية تعتبر ما تم إنفاقه خلال الحرب “ثمنًا ضروريًا” لتحقيق أهداف المواجهة، مؤكدًا أن البنتاغون بدأ بالفعل التحرك لتعويض الخسائر العسكرية عبر طلب ميزانيات إضافية لإعادة التسليح وتطوير منظومات قتالية جديدة.
وأشار إلى أن خطط التعويض تشمل سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي والأسلحة التي تراجع مخزونها خلال العمليات، مؤكدًا أن إعادة بناء القدرات العسكرية أصبحت من أولويات البنتاغون خلال المرحلة المقبلة، وأن واشنطن ترى أن ما أُنفق في هذه الحرب يبقى أقل بكثير من تكاليف حروب أميركية سابقة.



