أخبــاربلاد الجوار

صراع ما بعد خامنئي.. من يقود إيران؟

بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في الضربة الإسرائيلية الأولى التي استهدفت إيران في 28 شباط الماضي، دخلت الجمهورية الإسلامية مرحلة سياسية وأمنية جديدة، اتسمت بانتقال مركز القرار من سلطة “المرشد الفرد” إلى دائرة ضيقة من القادة الأمنيين والعسكريين المرتبطين بالحرس الثوري، والذين باتوا يشكلون ما يشبه “مجلس القيادة” غير المعلن في طهران.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، تولّى الموقع الرسمي لوالده، إلا أن طبيعة الحكم داخل إيران تغيّرت بصورة ملحوظة، بعدما أصبح القرار الفعلي موزعاً بين مجموعة محدودة من الشخصيات النافذة في المؤسسة الأمنية والعسكرية، بدلاً من تمركزه بيد شخص واحد كما كان الحال طوال العقود الماضية.

وأشار التقرير إلى أن الشخصيات التي تدير المشهد الإيراني حالياً تنتمي بمعظمها إلى الجيل الذي خاض الحرب الإيرانية ـ العراقية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي تجربة ساهمت في تشكيل رؤيتهم السياسية والأمنية القائمة على التشدد والاعتماد على القوة العسكرية باعتبارها الضمان الأساسي لبقاء النظام.

وأوضح أن هذه المجموعة لا تمثل الحرس الثوري كمؤسسة عسكرية فحسب، بل تشكل ما وصفه خبراء بشبكة مغلقة تجمعها علاقات قديمة وتجارب مشتركة تعود إلى سنوات الحرب الطويلة، إضافة إلى عقيدة أمنية تقوم على رفض تقديم تنازلات خارجية، والإيمان بضرورة اعتماد إيران على قدراتها الذاتية مهما بلغت الضغوط.

ووفق التقرير، فقد صعد أفراد هذه المجموعة سريعاً داخل هياكل الحرس الثوري منذ تأسيسه بعد الثورة الإيرانية عام 1979، قبل أن ينتقلوا لاحقاً إلى مواقع مؤثرة داخل أجهزة الاستخبارات والقضاء والأمن ومؤسسات الدولة المختلفة، في وقت يُعتقد أن معظمهم تربطه علاقات وثيقة ومباشرة بمجتبى خامنئي، الذي لعب لسنوات دوراً محورياً في إدارة مكتب والده وشبكة اتصالاته الداخلية.

ورأى التقرير أن هذه البنية الأمنية المتماسكة ساعدت النظام الإيراني على تجاوز واحدة من أخطر مراحله، رغم مقتل عشرات القادة السياسيين والعسكريين خلال الحرب الأخيرة، إذ حافظت المؤسسة الأمنية على تماسكها ومنعت حدوث فراغ داخل دوائر الحكم.

كما أشار إلى أن النقاشات المتعلقة بإمكانية إنهاء الحرب أو التوصل إلى تسويات مع الغرب لا تزال تجري داخل هذه الدائرة المغلقة بعيداً عن العلن، خصوصاً مع تجنب عدد من القادة الظهور الإعلامي خشية تعرضهم للاستهداف.

وسلط التقرير الضوء على أبرز الشخصيات المؤثرة في المرحلة الحالية، وفي مقدمتها محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، والذي سبق أن تولى قيادة سلاح الجو في الحرس الثوري ورئاسة الشرطة وبلدية طهران. واعتبر التقرير أن قاليباف يشكل حلقة وصل أساسية بين الجناحين العسكري والسياسي داخل النظام، مشيراً إلى أنه لعب أدواراً دبلوماسية غير معلنة خلال الأشهر الماضية، وسط اعتقاد خصومه بأنه يسعى إلى ترسيخ موقعه كأحد أبرز رجال المرحلة المقبلة.

كما برز اسم أحمد وحيدي، القائد الحالي للحرس الثوري ووزير الدفاع والداخلية السابق، والذي تولى قيادة الحرس بعد مقتل سلفه خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة. ويُعرف وحيدي بدوره التاريخي في تأسيس “فيلق القدس” أواخر ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى مساهمته في بناء شبكات النفوذ الإقليمية المرتبطة بطهران.

وتناول التقرير أيضاً غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية الإيرانية، المعروف بمواقفه المتشددة ودوره في إدارة الملفات الأمنية والقضائية الحساسة، لا سيما خلال موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.

ومن بين الشخصيات المحورية كذلك حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس الثوري، والذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مهندسي المنظومة الأمنية الإيرانية، خصوصاً في ملفات مراقبة المعارضين واعتقال الناشطين وملاحقة الخصوم داخل إيران وخارجها.

كما أشار التقرير إلى محمد علي جعفري، القائد السابق للحرس الثوري، الذي لعب دوراً مهماً في تطوير ما يُعرف بـ”استراتيجية الفسيفساء”، وهي عقيدة عسكرية تقوم على اللامركزية في إدارة المعارك، بما يسمح باستمرار العمليات حتى في حال فقدان قيادات عليا.

وأضاف أن جعفري كان من أبرز المسؤولين عن توسيع الشبكات العسكرية الحليفة لإيران في المنطقة، وكان قد أعلن في تصريحات سابقة أن الحرس الثوري سيواصل المواجهة حتى “إزالة إسرائيل من جغرافيا المنطقة”.

ومن الأسماء التي برزت أيضاً محمد باقر ذو القدر، الذي تولى مؤخراً منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ويُنظر إليه بوصفه نموذجاً واضحاً لاندماج المؤسسة العسكرية مع البنية السياسية للدولة، حيث يتولى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية والسياسية.

ونقل التقرير عن الباحث المتخصص في شؤون الحرس الثوري سعيد غولكار قوله إن هذه المجموعة تحولت تدريجياً من جهاز أمني نافذ إلى ما يشبه “الأخوية السياسية” التي تدير الدولة من الداخل، مستفيدة من سيطرتها على المعلومات والأجهزة الأمنية وآليات الرقابة داخل النظام.

ويعكس هذا التحول، بحسب التقرير، أن إيران بعد علي خامنئي لم تدخل مرحلة فراغ سياسي كما توقعت بعض التقديرات الغربية، بل انتقلت إلى نموذج حكم أكثر تشدداً وأقرب إلى الطابع الأمني ـ العسكري، تديره نخبة تعتبر أن أولوية بقاء النظام تتقدم على أي اعتبارات أخرى، حتى لو أدى ذلك إلى استمرار المواجهة المفتوحة مع إسرائيل والغرب لفترة طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى