خارج الصندوقسياسيات متناقضةنبض الساعةهيدلاينز

تنسيق أم تطبيع؟ تباين أوروبي حول ملف اللاجئين السوريين

خاص – نبض الشام

بعد أكثر من عقد من القطيعة السياسية بين أوروبا ودمشق، يعود ملف اللاجئين السوريين ليحتل صدارة النقاش الأوروبي، لكن هذه المرة بوصفه أداة لإعادة ترتيب العلاقات، لا مجرد قضية إنسانية. فبين الضغوط الداخلية في أوروبا، والرغبة في ضبط الهجرة، والبحث عن شركاء ميدانيين، بدأ يبرز اتجاه جديد يرى في دمشق طرفاً لا يمكن تجاهله في معادلة الاستقرار الإقليمي.

من الإنسانية إلى السياسة
منذ موجة اللجوء الكبرى عام 2015، واجه الاتحاد الأوروبي انقسامات داخلية حادة حول كيفية التعامل مع اللاجئين السوريين. بمرور الوقت، انتقل النقاش من التركيز على البعد الإنساني إلى مقاربة أمنية وإدارية تهدف إلى تقليص الأعداد وتنظيم العودة. ومع تصاعد الضغوط الشعبية والانتخابية، شرعت حكومات أوروبية – وعلى رأسها ألمانيا – في البحث عن صيغ قانونية تسمح بترحيل المرفوضة طلباتهم أو المدانين قضائياً، ما استدعى ضرورة فتح قنوات تواصل مع دمشق لتنفيذ هذه السياسات.

تحوّل في الموقف الأوروبي
هذا التحول لا يقتصر على الجانب الإجرائي، بل يعكس تغيراً في النظرة إلى سوريا نفسها. فبعد سنوات من اعتبارها دولة مستبعدة سياسياً، بدأت بعض العواصم الأوروبية ترى فيها شريكاً ممكناً في معالجة تحديات الأمن والهجرة. ورغم أن أي اتفاق محتمل سيبقى محكوماً بتوازنات داخلية دقيقة وخطوط حمراء قانونية، إلا أن النقاش الجاري يشير إلى بداية تطبيع وظيفي محدود، يُبنى على التنسيق الفني لا الاعتراف السياسي الكامل.

دمشق.. إلى الشراكة
تدرك دمشق أن الانخراط في مفاوضات حول اللاجئين يمنحها فرصة لاستعادة حضورها الدولي تدريجياً، عبر الظهور كطرف مسؤول يسعى لإدارة العودة وتنظيمها ضمن معايير قانونية. هذا الانفتاح المحدود قد يُترجم إلى إعادة تفعيل بعض القنوات الدبلوماسية والأمنية، ويمهّد لاحقاً لدور أوروبي أوسع في إعادة الإعمار أو في مشاريع اقتصادية مشتركة.

ازدواجية أوروبية
رغم الخطوات البراغماتية، لا يزال الاتحاد الأوروبي يعيش تناقضاً حاداً بين خطابه القيمي القائم على حماية حقوق الإنسان، وضروراته الأمنية والانتخابية. فالتعاون مع دمشق يثير جدلاً حول شرعية التعامل مع حكومة لا تزال موضع انتقاد حقوقي. إلا أن البراغماتية السياسية باتت تميل إلى تغليب منطق المصلحة على منطق القطيعة، خاصة مع تزايد كلفة اللجوء اجتماعياً واقتصادياً.

انفتاح حذر
يبدو أن ملف اللاجئين بات ساحة اختبار لعلاقة أوروبية – سورية جديدة، تتجاوز لغة العقوبات إلى لغة المصالح المشتركة. فكلما أظهرت دمشق استعداداً لضمان عودة آمنة وكريمة، وكلما وازنت أوروبا بين القيم والواقعية السياسية، اقترب الطرفان من إعادة بناء جسور الثقة المفقودة. وبين الحذر والانفتاح، قد يتحول هذا الملف من عبء إنساني إلى مدخل سياسي لإعادة تعريف التوازنات في شرق المتوسط.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى