ترجمات نبضتقاريرنبض الساعةهيدلاينز

رسوم ترامب الجمركية: كيف انقلبت على صنّاع النبيذ الأمريكيين؟

ترجمة – نبض الشام

بينما تهدف الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب إلى حماية المنتجين المحليين، يكشف واقع صناعة النبيذ الأمريكية عن العكس تماماً. فهذه الصناعة التي تعمل بهوامش ضيقة وتخضع لتنظيمات معقدة تواجه الآن أزمة وجودية مع تعطل سلاسل التوريد وارتفاع التكاليف. ومع اعتمادها على الواردات الأوروبية لدعم شبكات التوزيع، تبدو الرسوم الجديدة أقرب إلى ضربة ارتدادية تهدد مستقبلها.

قيود قديمة
لا تعمل صناعة النبيذ بالطريقة التي يتصورها من يحاولون المساعدة. امتلاك كروم في وادي نابا يبدو أمراً فاخراً، لكن الواقع أن صناعة النبيذ قطاع زراعي ومعالجات غذائية بهوامش ربح منخفضة وتحت رقابة تنظيمية صارمة. والآن تهدد إدارة ترامب بجعل الوضع أسوأ عبر إلقاء قنبلة يدوية في سلاسل التوريد وشبكات التوزيع الأميركية من خلال فرض رسوم جمركية يُفترض نظرياً أنها تحمي المنتجين المحليين من المنافسة الخارجية. لكن صناعة النبيذ لا تعمل بالطريقة التي يتخيلها صناع القرار في واشنطن.

بفضل منظومة معقدة من القوانين تعود إلى تجربة الحظر الأمريكي، يتم بيع وتوزيع معظم النبيذ الأمريكي عبر ما يعرف بـ “نظام المستويات الثلاثة”، حيث يبيع المنتجون والمستوردون للموزعين، الذين يمدّون بدورهم المتاجر والمطاعم التي تبيع للمستهلكين.

الموزعون الحلقة الأهم
ولا يعد الموزعون مجرد وسطاء يحصلون على نسبة، بل هم قوة المبيعات الفعلية للمنتجين. إذ يُحظر قانونياً على صناع النبيذ الأميركيين، باستثناءات قليلة جداً، بيع منتجاتهم مباشرة للمستهلكين، بل ويُمنعون عموماً من البيع للمطاعم أو المتاجر. والقليل فقط يُباع عبر غرف التذوق أو مطاعم مملوكة للمنتجين أنفسهم، إضافة إلى بعض المبيعات المباشرة في ولايات محدودة تسمح بذلك قانونياً. لذا يشكل الموزعون الرابط الحاسم بين المنتجين والمستهلكين.

يقول بن أنيف، الشريك الإداري في “ترايبيكا واين ميرتشانتس” ورئيس تحالف تجارة النبيذ الأميركي: “معظم النبيذ يُباع فعلياً من باب إلى باب. الموزعون هم من يملكون العلاقات مع المطاعم والمتاجر، وهم من يملأون الأرفف ويعرفون اهتمامات المستهلكين. إنهم أساسيون للغاية”.

الأوروبيون يدعمون الأميركيين
ويكسب الموزعون عادة هوامش أعلى من النبيذ الفرنسي والإيطالي — “الأوروبيون يملكون ميزة تاريخية عمرها 8 آلاف عام”، كما قال أنيف — وهو ما يساعد على إبقاء نظام التوزيع الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون أصحاب الهوامش المحدودة لإيصال منتجاتهم للأسواق. هذا يعني أن النبيذ الأوروبي المستورد لا ينافس فقط النبيذ الأميركي، بل يدعمه بشكل غير مباشر عبر تمويل قنوات التوزيع.

يقول هاري روت، المؤسس المشارك لشركة “غراسروتس واين” الموزعة في كارولاينا الجنوبية وألاباما: “نحن بحاجة للنبيذ الفرنسي والإسباني والإيطالي ليعمل نظامنا. إذا أزلت أي قطعة من هذا اللغز ينهار كله. نحو 65% من مبيعاتنا تأتي من النبيذ الأوروبي، لكنه يمثل 75% من إجمالي أرباحنا. هذا ليس ترفاً، بل ضرورة في صناعة بهوامش ضيقة”.

كان النبيذ الأوروبي يدخل الولايات المتحدة دون رسوم، لكن فُرضت ضريبة بنسبة 15% منذ أغسطس. وبالرغم من أن قرار محكمة الاستئناف أبقى مستقبل رسوم ترمب غامضاً، فإنها لا تزال سارية، ولم ينجح المفاوضون الأوروبيون حتى الآن في استثناء المشروبات الكحولية من نظام التعرفة الجمركية.

تلك الرسوم تعني أن موزعين مثل “غراسروتس” فقدوا الهوامش الإضافية التي اعتادوا عليها مع النبيذ الأوروبي. كما أن الرسوم ضريبة تُدفع مقدماً قبل خروج البضائع من الميناء. يقول روت: “لا بنك سيقرضني مالاً لدفع ضرائب جمركية، لذا ندفعها من ميزانيتنا التشغيلية”.

ضريبة تأكل نفسها
الحقيقة أن التعرفة الحمائية هي “ضريبة تأكل نفسها”. فهي إما تجمع إيرادات إذا استمر الطلب على الواردات، لكنها تفشل في حماية المنافسين المحليين، أو تثبط الاستيراد وتقل الإيرادات لأنه لا توجد مبيعات تُحصّل عليها ضرائب.

فوضى السوق
ما تفعله الرسوم فعلياً هو تشويه الأسواق، تعطيل سلاسل التوريد، وزيادة التكاليف على الشركات والمستهلكين. ومع تغيّر قرارات إدارة ترامب بشأن الرسوم بين يوم وآخر — بل بين ساعة وأخرى — يزداد عدم اليقين في السوق، وهو أمر كارثي خاصة لقطاع يحتاج دورته الإنتاجية إلى سنوات طويلة.

تقول كايتي لازار، المديرة العامة لـ “كاين فاين يارد” في وادي نابا: “من زراعة الكرمة حتى تعبئة النبيذ قد يستغرق الأمر 6 إلى 8 سنوات أو أكثر. الفوضى الحالية تهديد وجودي لنا كمنتجين ومزارعين”.

حلول مكلفة
فما الحل؟ يقترح البعض أن يخفف المشرعون من القوانين العتيقة من عهد الحظر التي تمنع البيع خارج نظام المستويات الثلاثة. لكن ذلك لن يحل المعضلة تماماً، إذ سيعني إعادة بناء شبكة التوزيع المحلية بتكاليف باهظة. كما أن التجارب أثبتت أن المستهلكين حين يواجهون أسعاراً أعلى لا يتحولون للنبيذ الأميركي، الذي هو أصلاً غير رخيص، بل يبحثون عن بدائل أرخص من أوروبا أو أميركا الجنوبية.

رهينة صراعات أكبر
المشكلة الأعمق أن المنتجين والموزعين يشعرون بأن إدارة ترامب لا تبالي كثيراً بصناعتهم، وتستخدم الرسوم الجمركية على النبيذ كأداة ضغط على الأوروبيين في قضايا أخرى مثل الطاقة والدواء والسيارات. بينما صناعة النبيذ الأميركية صغيرة نسبياً ولا تملك نفوذاً سياسياً قوياً.

الرئيس ترامب نفسه لا يشرب الكحول، فيما يروي السيناتور جي دي فانس قصة طريفة عن شعوره بالحرج لأنه لم يكن يعرف أن هناك أكثر من نوع واحد من النبيذ الأبيض. فهل يُعقل أن نترك المصالح الاقتصادية لآلاف العاملين في هذا القطاع بيد مسؤولين يملكون معرفة سطحية؟
أم أن الأفضل هو السماح بالتدفق الحر للسلع والخدمات — والنبيذ — عبر الحدود؟

تؤكد أزمة النبيذ أن السياسات التجارية غير المدروسة قد تضر أكثر مما تنفع، خصوصاً حين يُستخدم قطاع صغير كأداة ضغط في صراعات اقتصادية أكبر. وبينما يفتقر صنّاع النبيذ الأميركيون للقوة السياسية، يظل مستقبلهم معلقاً على قرارات سريعة التغيّر لا تراعي دورة إنتاج تستغرق سنوات. وربما يكون الحل الأبسط — والأكثر فاعلية — هو العودة إلى التدفق الحر للسلع عبر الحدود.

المصدر
واشنطن بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى