قبرص تحت ضغط الاستثمارات الإسرائيلية.. من يملك الأرض؟

أثار تنامي الاستثمارات الإسرائيلية في قبرص، بالتزامن مع زيادة أعداد الزوار الإسرائيليين، نقاشًا متصاعدًا بشأن انعكاسات هذا الحضور على الاقتصاد والمجتمع المحليين، وسط اعتراضات من بعض السكان الذين يخشون تراجع فرص المبادرات المحلية وتزايد نفوذ الشركات الأجنبية في قطاعات حيوية.
وسجّلت الجزيرة نحو 600 ألف زيارة لإسرائيليين خلال العام الماضي، بالتوازي مع توسع الاستثمارات في العقارات والصحة والسياحة والطاقة والأمن والمياه. وفي مقابل من يرى في هذه المشاريع فرصًا اقتصادية واستثمارية، يعبّر بعض القبارصة عن مخاوف من تأثيراتها في طبيعة الحياة المحلية وقدرة الشركات والمبادرات الصغيرة على المنافسة.
ليماسول في قلب التحولات الاستثمارية
تبرز مدينة ليماسول بوصفها إحدى أبرز ساحات الحضور الاستثماري الإسرائيلي في الجزيرة، مع وجود مشاريع في قطاع الضيافة والعقارات. ومن بين هذه المشاريع فندق من فئة خمس نجوم تملكه مجموعة «فتّال» الإسرائيلية، في مؤشر على توسع استثمارات الشركات الإسرائيلية في القطاع السياحي القبرصي.
وترافقت هذه التحولات مع انتقادات من بعض السكان الذين يرون أن تدفق رؤوس الأموال الخارجية لا ينعكس بالضرورة على فرصهم الاقتصادية، خصوصًا في المجالات الثقافية والترفيهية التي تعتمد على المبادرات المحلية.
وفي هذا السياق، عبّر الكوميدي المقيم في ليماسول يورغوس كيرياكو عن استيائه من التغيّرات التي يشهدها محيطه، قائلًا إن ما يحدث يشبه «الغزو»، في إشارة إلى التاريخ الذي شهدته الجزيرة من تدخلات وصراعات.
وأضاف كيرياكو أن فرص المبادرات المحلية باتت محدودة، مستشهدًا بصعوبة تقديم عروض كوميدية في بعض المنشآت الترفيهية، التي قال إنها موجهة أساسًا إلى الجمهور الإسرائيلي بفعل حجم الاستثمارات المرتبطة بها.
وتعكس هذه التصريحات، وفق أصحابها، مخاوف من أن يؤدي اتساع الاستثمارات الأجنبية إلى تغيير طبيعة بعض الأنشطة الاقتصادية والثقافية، وإن كانت هذه المواقف لا تمثل بالضرورة آراء جميع سكان الجزيرة.
مشاريع في الصحة والتعليم والرياضة
لا يقتصر الحضور الإسرائيلي في قبرص على السياحة والعقارات، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، من بينها الرعاية الصحية والتعليم والرياضة.
ومن أبرز المشاريع افتتاح مركز طبي تابع لمستشفى «هداسا» الإسرائيلي في ليماسول، إلى جانب مشروع لإنشاء مدرسة خاصة يحمل اسمًا مرتبطًا بالهوية الصهيونية، فضلًا عن استضافة مباريات فريق مكابي تل أبيب لكرة السلة في إحدى الصالات الرياضية المحلية.
وأثارت هذه المشاريع تساؤلات لدى بعض السكان بشأن مدى تأثير الاستثمارات الخارجية في القطاعات المرتبطة بالحياة اليومية، وفي قدرة المجتمع المحلي على التأثير في طبيعة الخدمات والمؤسسات التي تنشأ على أرضه.
وقال أحد السكان، يوانيس نيستوراس، إن حجم هذه الاستثمارات وتأثيرها يثيران مخاوف لا تحظى، بحسب تقديره، بما يكفي من الاهتمام في النقاش العام، محذرًا من اتساع نفوذها في مجالات أساسية من المجتمع القبرصي.
وتتباين المواقف من هذه المشاريع بين من يركز على فرص العمل والخدمات ورؤوس الأموال التي قد توفرها، ومن يخشى أن يؤدي توسع الشركات الكبرى إلى زيادة المنافسة على الموارد والفرص المتاحة للسكان المحليين.
شركات إسرائيلية في قطاعات حيوية
يمتد نشاط الشركات الإسرائيلية، وفق المعلومات المتداولة بشأن الاستثمارات في الجزيرة، إلى قطاعات الصحة والأمن والطاقة والمياه. وتصف الحكومة القبرصية بعض هذه المشاريع بأنها ذات أهمية لأمن البلاد، في حين يثير توسع الشركات الأجنبية في المجالات الاستراتيجية تساؤلات لدى منتقدين بشأن طبيعة الاعتماد الاقتصادي عليها وحدود تأثيرها.
كما أشار التقرير إلى ظهور لوحات إعلانية لحملة السياسي الإسرائيلي غادي آيزنكوت على طرقات قبرص قبيل الانتخابات، في تطور أضاف بعدًا سياسيًا إلى النقاش بشأن الحضور الإسرائيلي في الجزيرة.
ومع ذلك، فإن وجود شركات إسرائيلية في قطاعات متعددة لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الأنشطة تخضع لاعتبارات سياسية واحدة؛ إذ تختلف طبيعة الاستثمارات وأهدافها باختلاف الشركات والمشاريع والجهات التي تتعامل معها.
امتداد الاستثمارات إلى شمال الجزيرة
لا يقتصر النشاط العقاري الإسرائيلي على الجزء الجنوبي من قبرص، إذ أشار التقرير إلى مساهمة متعهد إسرائيلي في بناء أكثر من ثمانية آلاف منزل في شمال الجزيرة، الذي تديره «جمهورية شمال قبرص التركية»، المعترف بها دولةً من تركيا وحدها.
ويأتي هذا النشاط في منطقة لا يزال وضعها السياسي مرتبطًا بانقسام الجزيرة منذ عام 1974، حين أدى التدخل العسكري التركي إلى تقسيمها فعليًا. ويضيف هذا السياق بُعدًا خاصًا إلى النقاش حول الاستثمار العقاري، نظرًا إلى حساسية قضايا الملكية والأرض والتغيرات الديموغرافية في الجزيرة.
لكن تقييم آثار هذه المشاريع يتطلب التمييز بين حجم النشاط العقاري الفعلي، وحقوق الملكية، والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن إثباتها، بعيدًا عن تعميم المخاوف أو التعامل معها بوصفها حقائق محسومة.
احتجاجات واعتراضات محلية
في موازاة توسع الاستثمارات، تتواصل مظاهر الاعتراض على الحضور الإسرائيلي في بعض المناطق القبرصية، من خلال احتجاجات ورسومات مؤيدة لفلسطين على جدران عدد من المدن.
وتعبّر هذه المظاهر عن تداخل العوامل الاقتصادية مع المواقف السياسية والإنسانية المرتبطة بالحرب على الفلسطينيين، لكنها لا تكفي وحدها لقياس حجم المعارضة داخل المجتمع القبرصي أو تحديد مدى انتشارها بين مختلف فئاته.
وفي هذا الإطار، قال عبد اللطيف، وهو صاحب متجر من أصل فلسطيني، إنه يتلقى دعمًا من أشخاص عدة، بينهم يهود، يقدمون منتجات مصنوعة يدويًا لبيعها وتخصيص عائداتها لمساعدة أطفال فلسطينيين.
وتشير هذه الشهادة إلى أن المواقف داخل المجتمع لا تتخذ شكلًا واحدًا، وأن الاعتراض على سياسات إسرائيل أو بعض استثمارات الشركات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة رفض العلاقات الاجتماعية أو التعاون مع الأفراد على أساس هويتهم.
بين فرص الاستثمار ومخاوف السكان
تكشف السجالات في قبرص عن تحديات تواجه المجتمعات الصغيرة عندما تتوسع الاستثمارات الأجنبية في قطاعات رئيسية، ولا سيما في ظل تفاوت القدرة على المنافسة بين الشركات الكبرى والمبادرات المحلية.
ففي الوقت الذي يمكن أن تسهم فيه رؤوس الأموال الخارجية في تنشيط السياحة وتطوير الخدمات وتوفير فرص العمل، تبرز تساؤلات بشأن توزيع المكاسب الاقتصادية، وحماية المشاريع المحلية، وضمان الشفافية في الاستثمارات المرتبطة بالأراضي والقطاعات الاستراتيجية.
وتزداد حساسية هذه النقاشات في قبرص بسبب تاريخ الجزيرة السياسي والانقسام المستمر منذ عقود، إلى جانب ارتباط بعض جوانب الجدل الراهن بالتطورات الإقليمية والمواقف من القضية الفلسطينية.
وبينما يرى بعض السكان أن اتساع الحضور الإسرائيلي يهدد فرصهم الاقتصادية ويغير ملامح مجتمعاتهم، تبقى هذه المخاوف جزءًا من نقاش أوسع بشأن إدارة الاستثمار الأجنبي وآثاره. ويظل تقييم حجم التأثير الفعلي مرهونًا ببيانات واضحة عن ملكية الشركات، وحجم الاستثمارات، وفرص العمل التي توفرها، ومدى استفادة السكان المحليين منها.




