أخبــارتقاريرنبض الساعة

حزب الله بين تعهدات بري وضغوط المواجهة مع إيران

تتواصل الاتصالات السياسية في لبنان وسط مخاوف من اتساع المواجهة المحتملة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وما قد يترتب عليها من تداعيات على الساحة اللبنانية. وفي خضم هذه التحركات، يبرز تباين في المواقف بشأن مدى استعداد حزب الله للمشاركة في أي مواجهة مقبلة، في وقت يسعى فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تجنيب البلاد جولة جديدة من الحرب.

وبحسب معلومات نقلتها مصادر سياسية لبنانية قريبة من كتلة «التنمية والتحرير»، التي يرأسها بري، فإن حزب الله لم يقدم ضمانات مسبقة بعدم التدخل في أي حرب محتملة، رغم المساعي الرامية إلى إبعاده عن المواجهة. وتقول المصادر إن قيادة الحزب تتمسك بإبقاء خياراتها مفتوحة، وتربط قرارها النهائي بطبيعة التطورات العسكرية والسياسية، وما قد تشهده المنطقة من تصعيد.

ويأتي هذا الموقف في ظل رسائل إيرانية تؤكد قدرة طهران على مواجهة أي هجوم من دون الحاجة إلى دعم عسكري من حلفائها، لكنها، وفق المصادر نفسها، لا تتضمن طلباً واضحاً من حزب الله بالبقاء خارج أي مواجهة محتملة.

ويعكس هذا المشهد تداخل الحسابات اللبنانية والإيرانية، في وقت تحاول فيه القوى السياسية في بيروت الحد من احتمالات توسع الحرب، وسط مخاوف من أن يؤدي فتح الجبهة اللبنانية مجدداً إلى تداعيات أمنية وإنسانية واقتصادية يصعب احتواء آثارها.

بري يسعى إلى تحييد الجبهة اللبنانية

تقول المصادر إن بري يعمل على إقناع حزب الله بعدم الانخراط في أي مواجهة محتملة، انطلاقاً من مخاوف تتصل بقدرة لبنان على تحمل حرب جديدة، في ظل استمرار تداعيات المواجهات السابقة، وما خلفته من نزوح وأضرار واسعة وأعباء مرتبطة بإعادة الإعمار.

ويستند هذا المسعى إلى اعتبارات داخلية تتعلق بالحفاظ على الاستقرار، وتجنب تعريض المناطق اللبنانية لموجة جديدة من العمليات العسكرية، فضلاً عن الحد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تترتب على اتساع نطاق المواجهة.

لكن المصادر تشير إلى أن قيادة حزب الله لا تتعامل مع المسألة باعتبارها قراراً يمكن حسمه مسبقاً، سواء بالمشاركة أو الامتناع، وتتمسك بأن أي موقف نهائي سيعتمد على طبيعة الهجوم المحتمل على إيران، وحجمه، والخيارات التي قد تلجأ إليها إسرائيل في لبنان والمنطقة.

وتنقل المصادر عن قيادات في الحزب قولها إنها «لم تعطِ ولن تعطي ضمانات لأحد» بشأن عدم المشاركة في الحرب، معتبرة أن التطورات الميدانية ستحدد طبيعة الموقف في حال اندلاع المواجهة.

ولا يعني رفض تقديم ضمانات، وفق المصادر، أن الحزب اتخذ قراراً بالتدخل أو يسعى إلى إشعال حرب جديدة، بل يعكس رفضه الالتزام مسبقاً بموقف قد يراه غير متوافق مع تطورات المرحلة المقبلة. وتشير المصادر أيضاً إلى أن الحزب يؤكد في اتصالاته السياسية حرصه على السلم الأهلي وعدم تعريض الاستقرار الداخلي للاهتزاز.

ومع ذلك، يطرح هذا الموقف تساؤلات بشأن حدود تأثير بري في الخيارات العسكرية لحليفه، رغم دوره في إدارة الاتصالات السياسية مع الرئاسة والحكومة والقوى الخارجية، ومساعيه المتكررة لتجنب التصعيد.

رسائل طهران لا تحسم موقف حزب الله

على المستوى الإيراني، تقول المصادر إن نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة أبلغ شخصيات من الثنائي الشيعي، خلال اتصالات أجراها في بيروت، أن طهران تمتلك القدرة على مواجهة التهديدات والاعتداءات من دون الحاجة إلى مساعدة عسكرية خارجية.

لكن المصادر تنفي أن يكون المسؤول الإيراني قد طلب من حزب الله عدم التدخل في أي مواجهة مقبلة، أو نقل قراراً إيرانياً واضحاً يقضي بإبقاء الجبهة اللبنانية خارج الحرب.

وتكتسب هذه النقطة أهمية في ظل تداول روايات عن رغبة طهران في تجنيب حزب الله مواجهة جديدة، بالنظر إلى حجم التحديات العسكرية التي قد تترتب على فتح جبهة واسعة مع إسرائيل. غير أن المعلومات التي تنقلها المصادر لا تشير إلى وجود طلب إيراني صريح بهذا المعنى.

ويكشف هذا التباين عن مساحة من الغموض في الرسائل الإيرانية، بين تأكيد القدرة على الدفاع عن إيران بصورة مستقلة، وعدم إعلان موقف واضح بشأن دور الحلفاء في حال اتساع الحرب.

كما يترك هذا الغموض أسئلة مفتوحة أمام الأطراف اللبنانية، خصوصاً أن تأكيد طهران قدرتها على المواجهة لا يعني بالضرورة أنها قررت الاستغناء عن دعم حلفائها، تماماً كما أن عدم صدور طلب بالتدخل لا يشكل، في المقابل، ضمانة بعدم مشاركتهم.

وفي ظل غياب موقف معلن يحسم هذه المسألة، تبقى قراءة الرسائل الإيرانية مرتبطة بمضمون الاتصالات السياسية، وبما قد تكشفه التطورات اللاحقة عن طبيعة الحسابات التي ستعتمدها طهران وحلفاؤها.

تداعيات تجربة سابقة على العلاقة بين بري والحزب

تأتي الاتصالات الحالية في سياق تباينات سابقة بين بري وحزب الله بشأن إدارة الملفات العسكرية والسياسية. وتعود إحدى أبرز محطات التوتر، وفق الروايات المتداولة، إلى آذار الماضي، عندما أطلق الحزب صواريخ باتجاه إسرائيل عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق السياسي الذي سبقها.

وتحدثت روايات آنذاك عن تعهد سابق من الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بعدم التدخل، وعن إطلاق الصواريخ من دون تنسيق مسبق مع بري. غير أن هذه الروايات لا تكفي وحدها لتحديد جميع ملابسات القرار أو طبيعة الاتصالات التي سبقته.

وتقول المصادر القريبة من كتلة «التنمية والتحرير» إن الاتصالات الحالية لم تسفر عن تعهد جديد من الحزب بعدم المشاركة في حرب محتملة، كما تشير إلى أن الرغبة المعلنة في تجنب التصعيد لا تعني التزاماً نهائياً بالامتناع عن التدخل.

ويعيد هذا الموقف طرح مسألة العلاقة بين التطمينات السياسية والقرارات العسكرية، ومدى قدرة الاتصالات بين الحلفاء على احتواء الخلافات عندما تتداخل الاعتبارات اللبنانية مع حسابات المواجهة الإقليمية.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ضوء الكلفة المحتملة لأي حرب جديدة، إذ قد يؤدي اتساع العمليات العسكرية إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، وتفاقم الأضرار في البنية التحتية، وارتفاع الضغوط على مؤسسات الدولة والخدمات العامة، في بلد لا يزال يواجه تبعات أزمات سابقة.

شحنة ضهر البيدر تضيف إلى التباينات

ولا تقتصر الملاحظات المنقولة عن بري على مسألة المشاركة في حرب محتملة، بل تمتد إلى طريقة التعامل مع ملفات أمنية داخلية حساسة.

وتقول المصادر إن رئيس مجلس النواب أبدى عتباً على حزب الله بسبب إعلانه العلني ملكية شحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية في منطقة ضهر البيدر. وبحسب المصادر، كان بري يفضل عدم تبني الشحنة إعلامياً، وترك معالجة القضية للمسارات القضائية والسياسية بعيداً عن التصعيد العلني.

ويعكس هذا التباين اختلافاً في تقدير كيفية إدارة الملفات التي قد تضع الحكومة والأجهزة الأمنية أمام ضغوط إضافية، ولا سيما عندما تتداخل الأبعاد الأمنية مع التجاذبات السياسية.

ولا يعني هذا الاختلاف بالضرورة انتقال العلاقة بين الطرفين إلى مواجهة سياسية مفتوحة، لكنه يشير إلى وجود تباينات في أسلوب التعامل مع قضايا تتطلب، من وجهة نظر بري، قدراً أكبر من الحذر لتجنب تداعيات داخلية إضافية.

وتبرز أهمية هذه التباينات في وقت يحتاج فيه لبنان إلى احتواء الخلافات الداخلية، والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بشأن القضايا التي تمس أمن البلاد واستقرارها، خصوصاً مع تزايد احتمالات التصعيد الإقليمي.

من يملك قرار المشاركة في الحرب؟

يتجاوز الجدل بشأن تقديم ضمانات لبري مسألة العلاقة بين طرفين سياسيين، ليصل إلى طبيعة عملية اتخاذ القرار داخل حزب الله، ومدى ارتباطها بالتطورات الإقليمية والحسابات الإيرانية.

ويرى منتقدون لخيارات الحزب أن غياب التعهدات المسبقة يجعل استبعاد التدخل أمراً صعباً، خصوصاً إذا اتسعت المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. ويستند هذا التقدير إلى أن القرار العسكري قد يتأثر بتطورات تتجاوز الساحة اللبنانية، بما في ذلك طبيعة الهجوم على إيران وموقف الأطراف المعنية من توسيع نطاق الرد.

في المقابل، لا يكفي رفض تقديم ضمانات لإثبات أن قرار المشاركة قد اتُّخذ بالفعل، إذ يظل من الممكن أن يختار الحزب عدم التدخل تبعاً لتقديره للظروف العسكرية والسياسية، أو أن تتغير حساباته مع تطور الأحداث.

وتبقى العلاقة بين القرار اللبناني والحسابات الإيرانية موضع نقاش، في ظل عدم وجود معلومات علنية كافية تسمح بالجزم بكيفية حسم أي قرار مستقبلي، أو بتحديد مدى تأثير كل طرف في خيارات الآخر.

كما أن تجربة المواجهات السابقة لا تقدم وحدها إجابة نهائية عن سلوك الحزب في أي حرب مقبلة، لأن طبيعة الظروف والأهداف والقدرات العسكرية قد تختلف من مرحلة إلى أخرى.

لبنان أمام اختبار جديد

في المحصلة، تكشف الاتصالات الجارية عن صعوبة الحصول على ضمانات سياسية مسبقة بشأن موقف حزب الله من حرب محتملة على إيران، في وقت يسعى فيه بري إلى تحييد لبنان عن مواجهة قد تكون لها تداعيات واسعة.

وبين تأكيد طهران قدرتها على الدفاع عن نفسها، وغياب طلب إيراني معلن من الحزب بعدم التدخل، وتمسك الأخير بإبقاء خياراته مفتوحة، تظل احتمالات المشاركة أو الامتناع مرتبطة بتطورات لم تتضح معالمها النهائية بعد.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن التحدي الأساسي يتمثل في تجنب تحول أراضيه إلى ساحة إضافية للمواجهة، في ظل الأعباء التي لا تزال تثقل كاهل الدولة والسكان. وسيعتمد مسار المرحلة المقبلة على طبيعة التصعيد الإقليمي، ومواقف الأطراف المعنية، ومدى قدرتها على احتواء المواجهة قبل أن تمتد إلى جبهات جديدة.

وفي انتظار اتضاح هذه العوامل، تبقى مساعي بري لتجنيب لبنان الحرب جزءاً من تحرك سياسي أوسع لاحتواء المخاطر، من دون أن تكون قد أسفرت حتى الآن، وفق المعلومات المتاحة، عن ضمانات واضحة تحسم موقف حزب الله من أي مواجهة مقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى