أخبــاربلاد الشامبلاد المهجر

الاتحاد الأوروبي يفتح خزائنه لإنعاش غزة

في وقت لا تزال فيه ترتيبات إدارة قطاع غزة وإعادة إعمارها تواجه تعقيدات سياسية وأمنية، يدفع الاتحاد الأوروبي باتجاه تنفيذ مشاريع للتعافي المبكر، مع التركيز على الخدمات الأساسية والبنية التحتية ودعم مؤسسات الحكم الفلسطينية.

وتتزامن التحركات الأوروبية مع مساعٍ لدعم إصلاح السلطة الفلسطينية، إذ أطلق الاتحاد الأوروبي في يوليو/تموز 2026 مبادرة «Team Gaza» للتعافي المبكر، بحزمة أولية تقدر بنحو 883.6 مليون يورو، تشمل قطاعات المياه والصرف الصحي وإدارة الأنقاض والنفايات والصحة والطاقة والزراعة والغذاء.

وكانت مفوضة الاتحاد الأوروبي للمتوسط دوبرافكا شويتسا قد بحثت في يونيو/حزيران مع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الوضع في غزة وخطط التعافي المبكر، قبل أن تعلن المفوضية المضي في تنفيذ مشاريع مبكرة في قطاعي المياه وإدارة النفايات.

وتأتي هذه التحركات في وقت يحذر فيه مسؤولون فلسطينيون من تفاقم الأزمات البيئية والإنسانية في القطاع، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء، بينما تظل قدرة المشاريع الدولية على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ مرتبطة بالوضع الأمني وإجراءات إدخال المعدات والمواد اللازمة.

كارثة بيئية تلوح في الأفق

حذر مسؤول في مصلحة مياه بلديات الساحل من مخاطر حدوث فيضانات وغرق مناطق واسعة في غزة خلال فصل الشتاء، خصوصاً في المخيمات والمناطق المنخفضة، في ظل تراجع الإمكانيات وتضرر منظومة معالجة المياه ومعدات الضخ ونقص المستلزمات التشغيلية.

وقال إن عدداً من الجهات المانحة، بينها مؤسسات أوروبية ودولية، تعمل على إعداد مشاريع للتعافي، وقد بدأت إعداد الوثائق الهندسية والفنية وطرح عطاءات لتنفيذها، إلا أن دخول هذه المشاريع حيز التنفيذ يبقى مرتبطاً بإجراءات إسرائيلية.

وأوضح أن تنفيذ المشاريع يتطلب إدخال المعدات والتجهيزات وقطع الغيار والمواد الإنشائية والمستلزمات الضرورية لإصلاح شبكات المياه ومنظومات المعالجة، بما يسمح بالتخفيف من حدة الأزمة.

وأشار إلى أن مياه الصرف الصحي تُضخ في بعض الحالات إلى البحر من دون معالجة، فيما تتسرب كميات أخرى إلى الخزان الجوفي عبر الحفر الامتصاصية المنتشرة في المخيمات، مقدراً حجم المياه التي يجري التعامل معها بنحو 55 ألف متر مكعب.

وحذر من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي خلال أسابيع إلى فيضانات في مناطق تعاني من انهيار منظومات التعامل مع المياه، في ظل تضرر المضخات ومعدات التشغيل ونقص الوقود والزيوت والمركبات المخصصة لشفط المياه.

ومن أصل خمس محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي، يجري العمل على تأهيل محطة واحدة في مدينة غزة، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر، بينما تقع المحطات الأربع الأخرى في مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية أو بمحاذاة الشريط الحدودي، ما يحد من إمكانية الوصول إليها لإجراء أعمال الإصلاح والتشغيل.

وفيما يتعلق بالسماح بإدخال بعض مستلزمات شبكات المياه، مثل الأنابيب، قال المسؤول إن هذه الخطوات لا تمثل مساراً متكاملاً لبدء عملية التعافي، موضحاً أن بعض المواد التي دخلت ترتبط بإصلاح خطوط مياه عابرة للحدود، ولا تشمل الاحتياجات الأوسع لإعادة تأهيل منظومة الصرف الصحي.

دور أوروبي محدود

ويرى خبير في العلاقات الدولية والشأن الإسرائيلي أن التحرك الأوروبي الحالي يركز بصورة أساسية على الجوانب الإنسانية، لكنه لا يصل إلى مستوى التأثير السياسي المباشر في مسار التطورات داخل غزة.

وبحسب الخبير، فإن الدور الأوروبي لا يزال محدوداً في ظل عدم اكتمال بعض الترتيبات المرتبطة بوقف إطلاق النار، الأمر الذي يجعل الانتقال إلى مراحل لاحقة من إدارة القطاع وإعادة الإعمار أكثر تعقيداً.

ويعتبر أن التحركات الأوروبية تعكس في جانب منها تصورات مستقبلية بشأن إعادة البناء والتعافي، في ظل وجود خلافات مع إسرائيل حول عدد من الملفات السياسية، من بينها قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما يحد، وفق تقديره، من قدرة العواصم الأوروبية على ممارسة نفوذ مباشر على مسار الأحداث.

ويربط الخبير ذلك أيضاً بتراجع المشاركة الأوروبية في بعض الترتيبات المتعلقة بإدارة ملف غزة، معتبراً أن ذلك يضع الدور الأوروبي في موقع أقل تأثيراً مقارنة بالدورين الأميركي والإسرائيلي.

وحول إمكانية أن تبدأ أوروبا عملية إعادة إعمار واسعة قبل حسم ملف سلاح حماس، يستبعد الخبير ذلك في الظروف الحالية، مشيراً إلى أن إسرائيل تربط إعادة الإعمار بملفي نزع السلاح وترتيبات الحكم في القطاع.

وقال إن قدرة بروكسل على المضي في إعادة الإعمار تبقى مرتبطة بموافقة إسرائيل وبالتوصل إلى ترتيبات بشأن السلاح والحكم، باعتبار أن هذه الملفات تمثل، وفق الرؤية الإسرائيلية، عوامل أساسية في تحديد مسار إعادة الإعمار.

ويحذر الخبير من أن تنفيذ مشاريع الإعمار في المناطق التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، في حال تعذر التوصل إلى ترتيبات شاملة، قد يؤدي إلى واقع جغرافي وإداري أكثر انقساماً داخل القطاع، مع اختلاف الجهات المسيطرة من منطقة إلى أخرى.

وفي المقابل، يشير إلى وجود توجه أوروبي نحو دعم التعافي وإعادة البناء بالتوازي مع الحديث عن نقل إدارة القطاع بصورة تدريجية، فيما تبقى أي ترتيبات بشأن الحكم والسلاح مرتبطة بتطورات سياسية وأمنية أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى