واشنطن تغيّر المسار.. تهدئة جزئية لفتح قناة مع موسكو

تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعادة صياغة المسار السياسي المتعلق بالحرب في أوكرانيا، بعد تلقي مقترحات جديدة من كييف وإبداء موسكو استعداداً لدراسة أفكار أميركية جديدة.
وتبحث واشنطن، في المرحلة الأولى، عن صيغة لخفض التصعيد في ملفات محددة وإعادة فتح قنوات الاتصال السياسي، قبل الانتقال إلى القضايا الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقات الروسية – الأوكرانية.
وتزامن التحرك الأميركي مع هجوم روسي واسع على كييف ليل 19 و20 آب/أغسطس، أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة أكثر من 30 آخرين، وفق السلطات الأوكرانية. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن الضربات استهدفت مواقع مرتبطة بإنتاج مكونات الطائرات المسيّرة ومخازن عسكرية ومنشآت لوجستية.
صيغة أولية
وقال مصدر دبلوماسي أميركي مطلع على الملف إن الإدارة تدرس صيغة أولية تركز على خفض أنواع محددة من الهجمات ذات التأثير الواسع على المدن والبنية التحتية، إلى جانب توسيع التفاهمات الإنسانية واستعادة قناة تفاوض منتظمة.
وأضاف أن قضايا الأراضي والضمانات الأمنية وترتيبات ما بعد الحرب قد تُرحّل إلى مرحلة لاحقة، نظراً إلى حاجتها لتفاهم سياسي أوسع بين موسكو وكييف.
وأشار إلى أن المقترحات التي قدمتها أوكرانيا إلى المفاوضين الأميركيين تخضع للمراجعة بهدف تحديد العناصر التي يمكن أن تشكل مدخلاً مقبولاً للطرفين، فيما تسعى واشنطن إلى خطوات تمنح موسكو وكييف حافزاً لمواصلة المسار السياسي وتحد من احتمال انهياره سريعاً.
موسكو تنتظر العرض الأميركي
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أعلن أن بلاده قدمت للجانب الأميركي مقترحات لإنهاء الحرب، بينما أبدت موسكو استعداداً لاستئناف الاتصالات مع واشنطن، من دون تلقي عرض أميركي رسمي جديد حتى الآن.
واستمر في المقابل مسار تبادل الأسرى، مع إعادة 103 أسرى من كل جانب في 19 آب/أغسطس، والتحضير لجولة جديدة، ما أبقى المسار الإنساني قائماً رغم توقف المفاوضات السياسية المباشرة منذ شباط/فبراير.
وقال مصدر دبلوماسي روسي إن موسكو تترقب معرفة ما إذا كانت الصيغة الأميركية الجديدة ستتضمن عناصر مختلفة فعلياً عن المقترحات السابقة.
وأضاف أن الاهتمام الروسي سينصب على طبيعة الترتيبات العسكرية خلال المرحلة الانتقالية، وكيفية معالجة واشنطن للقضايا الأمنية التي تعتبرها موسكو أساسية لأي تسوية طويلة الأمد.
كما ستنظر موسكو، وفق المصدر، إلى العلاقة بين أي خفض مؤقت للعمليات ومستقبل الدعم العسكري الغربي لكييف، إضافة إلى شكل الضمانات التي قد ترافق المراحل اللاحقة من التفاوض.
الحرب تضغط باتجاه التهدئة
وتأتي المحاولة الأميركية لاختبار مسار مرحلي في ظل استمرار ارتفاع الكلفة البشرية والعسكرية للحرب، بعدما سجلت الأمم المتحدة في تموز/يوليو أعلى مستوى شهري للضحايا المدنيين في أوكرانيا منذ أكثر من 3 سنوات.
وفي الوقت نفسه، تواجه كييف ضغوطاً على مخزونات بعض صواريخ الاعتراض، بينما تواصل روسيا ضرباتها على المدن والمنشآت، بالتزامن مع تكثيف أوكرانيا هجماتها على مواقع الطاقة والمنشآت اللوجستية الروسية.
ويرى خبير في العلاقات الدولية أن أي اتفاق مرحلي يمكن أن يؤدي دوراً سياسياً مهماً إذا منح الطرفين فرصة لاختبار خفض مستوى العنف مع الحفاظ على مصالحهما الأمنية الأساسية.
وأوضح أن الانتقال مباشرة من حرب واسعة إلى تسوية نهائية سيكون معقداً بسبب ملفات الأراضي والحدود والتسليح ومستقبل العلاقة بين روسيا والغرب، ما يجعل المرحلة الانتقالية خياراً أكثر واقعية لمعالجة هذه القضايا تدريجياً.
ضمانات لكييف
ويتمثل التحدي أمام واشنطن، وفق هذا الطرح، في بناء تسلسل سياسي يمنع الاتفاق المؤقت من التحول إلى مجرد استراحة عسكرية تسمح بإعادة ترتيب القوات.
وتبرز هنا الضمانات الأمنية لأوكرانيا وطبيعة الدعم الغربي خلال المرحلة الانتقالية كعاملين أساسيين، خصوصاً مع ارتباط أمن أوكرانيا بمستقبل الردع الأوروبي والعلاقة مع حلف شمال الأطلسي.
وفي كييف، ستخضع أي صيغة مرحلية لتقييم يرتبط بتأثيرها المباشر في الوضع العسكري وقدرتها على حماية المدن وتقليل الضربات بعيدة المدى.
ويتركز القلق الأوكراني على طبيعة الترتيبات التي ستلي المرحلة الأولى، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن والحدود واستمرار الدعم الغربي، فيما قد تتيح مرحلة تمهيدية ناجحة إعادة فتح المسار السياسي والتفاوض لاحقاً حول الملفات الأكثر تعقيداً.
وبذلك، تحاول واشنطن اختبار مسار تدريجي يبدأ بخفض التصعيد والقضايا الإنسانية، قبل الانتقال إلى ملفي الأراضي والضمانات الأمنية، في محاولة لإعادة إطلاق المفاوضات بين موسكو وكييف من بوابة أقل تعقيداً.




