بغداد تحاصر جرف الصخر.. هل بدأت نهاية نفوذ الفصائل؟

كشفت مصادر سياسية عراقية أن الحكومة أعدت خطة لنشر قوات نظامية في محيط منطقة جرف الصخر ومداخلها، تمهيداً لاستعادة السيطرة الحكومية الكاملة عليها وإنهاء الوجود المسلح فيها، ضمن الإجراءات المرتبطة بالمهلة المحددة لحصر السلاح بيد الدولة في 30 أيلول/سبتمبر.
وبحسب المصادر، لا تقوم الخطة في مرحلتها الأولى على اقتحام المنطقة أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، بل تعتمد على تعزيز انتشار القوات الحكومية حولها والسيطرة تدريجياً على مداخلها ومخارجها وطرق الوصول إليها، بما يحد من قدرة الفصائل على الحفاظ على الوضع الأمني المغلق الذي فرضته في المنطقة خلال السنوات الماضية.
وأضافت المصادر أن دخول لجنة حكومية إلى جرف الصخر، الثلاثاء، لم يكن إجراءً إدارياً منفصلاً، بل خطوة تمهيدية تهدف إلى جمع معلومات ميدانية عن انتشار الفصائل والمنشآت والأراضي والممتلكات الموجودة داخل المنطقة، تمهيداً لتحديد آلية إعادة مؤسسات الدولة إليها.
وتكتسب جرف الصخر أهمية أمنية خاصة بسبب وجود كتائب حزب الله وفصائل مسلحة أخرى فيها، فيما ترى مصادر عراقية أن المنطقة تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقطة عسكرية مهمة ضمن شبكة نفوذ مرتبطة بإيران، ما يجعل أي تحرك حكومي باتجاهها شديد الحساسية.
وتزامن التحرك العراقي مع زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، في وقت تتصاعد فيه النقاشات بشأن مستقبل الفصائل المسلحة وآليات حصر السلاح بيد الدولة.
تطويق بدل الاقتحام
تكشف الخطة الحكومية عن توجه لتجنب السيناريو الأكثر خطورة، والمتمثل في إرسال قوة عسكرية لانتزاع المنطقة بالقوة، بما قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين مؤسسات الدولة وكتائب حزب الله.
وتستند هذه المخاوف إلى حوادث سابقة أظهرت صعوبة تنفيذ عمليات نزع السلاح ميدانياً، من بينها وصول قوة عراقية في تموز/يوليو الماضي إلى بوابات مقر تابع لحركة النجباء في جرف النداف ببغداد، بحثاً عن طائرات مسيّرة وصواريخ، قبل أن تفشل في دخول المجمع بعد رفض قادة الحركة السماح لها بذلك.
ولهذا تبدو المقاربة المطروحة لجرف الصخر مختلفة، إذ تبدأ بالسيطرة على الجغرافيا المحيطة بالمنطقة ومنافذ الحركة منها وإليها، قبل الانتقال إلى أي خطوات تتعلق بالمقار والمنشآت التابعة للفصائل.
وتتجاوز أهمية جرف الصخر موقعها في محافظة بابل، فقد تحولت منذ استعادتها من تنظيم “داعش” عام 2014 إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية وغموضاً في العراق، مع استمرار منع أعداد كبيرة من سكانها من العودة إلى منازلهم، بالتزامن مع وجود فصائل مسلحة ومنشآت عسكرية فيها.
كما تعرضت المنطقة خلال السنوات الأخيرة لضربات استهدفت مواقع ومستودعات تابعة للفصائل، ما زاد التركيز على طبيعة المنشآت العسكرية الموجودة فيها ودورها ضمن البنية العسكرية لكتائب حزب الله.
ملف النازحين يدخل المواجهة
ولا يقتصر التحرك الحكومي على الجانب الأمني، إذ عاد ملف سكان جرف الصخر النازحين إلى الواجهة بالتزامن مع بدء التحركات الرسمية داخل المنطقة.
وتزايدت المطالب العشائرية والسياسية بعودة السكان وإخراج القوات الموجودة في المنطقة قبل انتهاء المهلة الحكومية الخاصة بحصر السلاح، فيما أعاد الجدل حول المنازل والأراضي والملكيات فتح واحد من أكثر الملفات حساسية منذ انتهاء الحرب على “داعش”.
وتشير هذه التطورات إلى أن أي تحرك حكومي في جرف الصخر لم يعد مرتبطاً بالسلاح فقط، بل يرتبط أيضاً بالسؤال عن الجهة التي تسيطر على الأرض، وحق السكان في العودة إليها، ودور مؤسسات الدولة في إدارة المنطقة.
اختبار حقيقي لمشروع حصر السلاح
تتحول جرف الصخر تدريجياً إلى اختبار عملي لمدى قدرة بغداد على تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً مع اقتراب موعد 30 أيلول/سبتمبر.
وكانت الجهات الحكومية المعنية قد ناقشت خلال الأشهر الماضية آليات التعامل مع سلاح الفصائل وإعادة دمج عناصرها في المؤسسات المدنية والأمنية، إلا أن الانتقال من النقاشات السياسية إلى التطبيق الميداني يبقى التحدي الأصعب.
وتكتسب جرف الصخر أهمية إضافية في هذا السياق، فإذا تمكنت الحكومة من إعادة الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة والسكان إلى منطقة بقيت لسنوات تحت نفوذ الفصائل، فسيشكل ذلك مؤشراً على قدرتها على استعادة مناطق أخرى تخضع لنفوذ مسلح خارج الإطار الرسمي.
أما بقاء التحرك عند حدود اللجان والإجراءات الإدارية، فقد يعيد طرح التساؤلات حول قدرة بغداد على تحويل قراراتها المتعلقة بحصر السلاح إلى خطوات عملية على الأرض.
وبذلك، لا تبدو المعركة المقبلة في جرف الصخر بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة، بل مساراً تدريجياً يقوم على إحكام السيطرة الحكومية على المداخل والطرق المحيطة، وتقليص نفوذ الفصائل، وتهيئة الظروف لعودة مؤسسات الدولة والسكان إلى المنطقة.




