ليلة صاخبة في اليمن.. صواريخ ومسيّرات تصعّد المواجهات

عاد التصعيد العسكري إلى الواجهة في اليمن مع تنفيذ جماعة الحوثي سلسلة هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدفت مناطق ومواقع تابعة للقوات الحكومية، في موجة امتدت من الساحل الغربي إلى مأرب ومناطق أخرى، ما أعاد مدينة المخا إلى صدارة المشهد العسكري.
وأفادت مصادر يمنية بإطلاق 3 صواريخ باليستية باتجاه مدينة المخا التابعة لمحافظة تعز على الساحل الغربي، بالتزامن مع سماع انفجارات في أنحاء من المدينة.
وقالت المصادر إن الصواريخ استهدفت ميناء المخا ومواقع داخل المدينة، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيّرة.
وأعلن الناطق باسم القوات المشتركة في الساحل الغربي أن الحوثيين نفذوا خلال ليل الثلاثاء 10 هجمات بطائرات مسيّرة مفخخة استهدفت ميناء المخا، مشيراً إلى سماع 4 انفجارات داخل المدينة نتيجة هجمات مماثلة.
وأضاف أن المعلومات الأولية تشير إلى إطلاق الصواريخ التي استهدفت الميناء من مناطق جبلية في مديرية بعدان بمحافظة إب، الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
كما تحدثت القوات المشتركة عن رصد تحركات عسكرية في محيط “معسكر حمزة” والتلال القريبة من منطقة تُعرف باسم “منتجع بن لادن” في محافظة إب، وسط مخاوف من استخدامها كنقطة انطلاق لهجمات إضافية باتجاه الساحل الغربي.
التصعيد يمتد إلى مأرب ومناطق أخرى
ولم تقتصر الهجمات على المخا، إذ أفادت مصادر يمنية بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مدينة مأرب شمال شرقي البلاد، التي تعد من أبرز مناطق تمركز القوات الحكومية.
وشهدت الأيام الماضية أيضاً هجمات استهدفت مواقع وتجمعات للقوات الحكومية في المخا والخوخة بمحافظة الحديدة، إلى جانب مأرب وحضرموت، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهات جغرافياً.
ويأتي التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي على معظم جبهات القتال اليمنية، أعقبت الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022 وأسهمت في خفض مستوى العمليات العسكرية بصورة كبيرة.
وحذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ في وقت سابق من مخاطر عودة البلاد إلى مواجهة واسعة النطاق، داعياً الأطراف إلى ضبط النفس والحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال فترة خفض التصعيد.
المخا في قلب المواجهة
برزت المخا خلال الأيام الأخيرة كإحدى أبرز ساحات التصعيد. وفي 9 آب، قالت القوات الحكومية إن هجوماً بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على المدينة أدى إلى مقتل 7 أشخاص، بينهم عسكريون ومدنيون، وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الدفاعات الجوية إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة.
وبحسب القوات الحكومية، شملت الهجمات السابقة مواقع عسكرية ومناطق مدنية وبنى تحتية ومساكن لموظفين ومحطات لتوليد الكهرباء في المدينة، فيما أعلن الحوثيون أن عملياتهم استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة تابعة لقوات مدعومة من السعودية.
وتتمتع المخا بأهمية استراتيجية بسبب موقعها على الساحل الغربي وقربها من مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية الرئيسية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ويخضع ميناء المخا لسيطرة القوات الحكومية وحلفائها في الساحل الغربي، ويشكل نقطة مهمة للوجود العسكري واللوجستي في المنطقة، ما يجعل استهدافه المتكرر جزءاً من صراع أوسع على خطوط الإمداد ومراكز النفوذ.
كما يرفع الاعتماد المتزايد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة مستوى المخاطر، نظراً إلى قدرة هذه الأسلحة على الوصول إلى أهداف بعيدة وتنفيذ هجمات متزامنة على أكثر من جبهة.
توتر متجدد مع السعودية
وتزامنت التطورات داخل اليمن مع عودة التوتر بين الحوثيين والسعودية بعد فترة من الهدوء النسبي.
وفي 13 تموز، أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه الأراضي السعودية، في تطور أعاد التهديدات العابرة للحدود إلى الواجهة، بعد فترة طويلة من تراجع الهجمات بين الجانبين.
وفي وقت لاحق، هدد زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي باستهداف منشآت نفطية وحيوية سعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في حال تصاعد المواجهة، ما أعاد المخاوف من عودة نمط الهجمات الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأولى من الحرب.
وفي أواخر تموز، أعلن الحوثيون ما وصفوه بحصار بحري يستهدف السفن المرتبطة بالسعودية، بينما أكدت الرياض استعدادها لاتخاذ إجراءات لحماية حركة الملاحة عبر باب المندب.
وامتد التصعيد مطلع آب إلى مناطق سعودية، إذ أعلنت السلطات السعودية إصابة 11 مدنياً في منطقة نجران نتيجة هجمات نُسبت إلى الحوثيين، بالتزامن مع سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الحكومية اليمنية خلال هجمات في مأرب وحضرموت ومناطق أخرى.
مأرب وحضرموت.. توسيع نطاق المواجهة
تكتسب مأرب أهمية خاصة في أي تصعيد جديد، إذ تعد من أبرز مناطق نفوذ الحكومة اليمنية في شمال البلاد، فضلاً عن أهميتها الاقتصادية والعسكرية واحتوائها على موارد نفطية وغازية.
أما دخول حضرموت إلى دائرة الهجمات فيوسع نطاق المواجهة باتجاه شرق اليمن، ويشير إلى أن العمليات لم تعد تتركز فقط على خطوط التماس التقليدية بين الحوثيين والقوات الحكومية.
ويعني الانتشار الجغرافي للهجمات، من المخا وباب المندب غرباً إلى مأرب وحضرموت شرقاً، أن الحوثيين يستخدمون قدراتهم الصاروخية والجوية للضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
هل تعود الحرب إلى ما قبل 2022؟
اندلعت الحرب اليمنية عام 2014، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد، قبل أن يتدخل تحالف بقيادة السعودية في آذار 2015 دعماً للحكومة المعترف بها دولياً.
ومع مرور السنوات، أسهمت الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في نيسان 2022 في خفض مستوى العمليات العسكرية بصورة كبيرة، واستمر الهدوء النسبي حتى بعد انتهاء مدتها الرسمية.
لكن التصعيد الأخير يهدد بتغيير المعادلة التي سادت منذ ذلك الوقت، خصوصاً مع انتقال الهجمات من عمليات متفرقة إلى تحركات تشمل جبهات داخلية متعددة ومناطق سعودية وأهدافاً مرتبطة بالملاحة البحرية.
كما تتزامن التطورات مع توترات إقليمية أوسع مرتبطة بإيران والسعودية وأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز، ما يزيد من تعقيد المشهد اليمني.
وبينما تستمر الجهود الأممية والوساطات الإقليمية لمحاولة احتواء التصعيد، يبقى المسار العسكري خلال الفترة المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الهجمات الحالية ستبقى ضمن نطاق محدود، أم ستتحول إلى بداية موجة جديدة من المواجهات الواسعة في اليمن.




