مناورات الردع الكبرى: رسائل إسرائيل إلى لبنان والمنطقة
خاص – نبض الشام
ما وراء المناورات
في تطور يعكس تحولات في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد حرب غزة، أطلق الجيش الإسرائيلي أضخم مناوراته على الحدود اللبنانية منذ عامين، بمشاركة تشكيلات كبيرة وبإشراف مباشر من رئيس الأركان إيال زامير. تحمل هذه الخطوة أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز الطابع التدريبي، إذ تسعى إسرائيل إلى ترسيخ معادلات جديدة للردع، وتوجيه رسائل ضغط واضحة إلى حزب الله ولبنان، في مرحلة إقليمية تتسم بالتوتر والتعقيد.
مناورة بحجم التحول
كشفت مصادر إسرائيلية مطلعة أن المناورة التي نُفذت بمشاركة الفرقة 91، المكونة من ثلاث كتائب مدمجة، هي الأضخم منذ السابع من أكتوبر 2023. وتهدف وفقاً للمصادر إلى استيعاب دروس الحرب على غزة، وتفادي المفاجآت التي أربكت الجيش الإسرائيلي في بدايتها.
يعمل رئيس الأركان، إيال زامير، على بلورة عقيدة جديدة تقوم على رفع الجهوزية العملياتية وتعزيز سرعة الرد، بما يتناسب مع طبيعة الجبهتين الشمالية والجنوبية. وتأتي هذه التحركات في وقت يسود فيه القلق من انزلاق الجبهة اللبنانية إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وسط غموض في مسار غزة.
رسائل سياسية وعسكرية مزدوجة
تؤكد مصادر عسكرية إسرائيلية أن المناورات ليست مجرد تدريب روتيني، بل تحمل رسالة مزدوجة إلى لبنان والمنطقة، مفادها أن إسرائيل مستعدة لأي مواجهة محتملة، وأن مشروعها الأمني مستمر حتى تحقيق ما تسميه “إسرائيل الكبرى”.
وتضيف المصادر أن الجيش الإسرائيلي يسعى، من خلال هذه التدريبات، إلى فرض معادلات ردع جديدة، تضمن تفوقه التكتيكي والسياسي، وإظهار قدرته على خوض حرب متعددة الجبهات في حال فشل المسار الدبلوماسي.
الرؤية الإسرائيلية الجديدة
يرى زامير وقادة الجيش أن ما بعد السابع من أكتوبر لا يشبه ما قبله. فالصدمة التي تعرضت لها إسرائيل في بداية حرب غزة جعلت المؤسسة العسكرية تراجع حساباتها الاستراتيجية بالكامل.
وتعتبر هذه المناورات، وفق ما نقلته المصادر، اختباراً واقعياً لتكتيكات ميدانية مستخلصة من الحرب، تهدف إلى منع أي تكرار لمفاجآت مشابهة. كما تسعى لتوجيه رسالة إلى لبنان بأن أي خيار عسكري سيُكلفه كثيراً، وأن إسرائيل جاهزة ميدانياً لكل الاحتمالات.
البعد اللبناني: تحسين الشروط ومواجهة حزب الله
من الجانب اللبناني، تشير مصادر عسكرية إلى أن إسرائيل تستخدم هذه المناورات لتعزيز موقفها التفاوضي مع بيروت، ولإثبات قدرتها على فرض ميزان قوى جديد يردع حزب الله.
وتضيف المصادر أن الوضع في غزة لم يُحسم بعد، ما يجعل المشهد الإقليمي أكثر تعقيداً. فإغلاق معبر رفح وعدم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل، إلى جانب استمرار احتجاز الأسرى، كلها مؤشرات على خلل في الاتفاقات السابقة، يدفع إسرائيل إلى رفع مستوى الجاهزية على الجبهتين.
تحديات أمام القرار 1701
مصادر في قوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) تؤكد أن التواجد العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، بما يشمل خمس نقاط محصنة، يشكل انتهاكاً واضحاً للقرار 1701 وتهديداً لاستقرار الجنوب. وتشير إلى أن استعادة الاستقرار لن تكون ممكنة إلا بعودة المدنيين إلى قراهم، وانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية. ومع أن الجيش الإسرائيلي أبلغ اليونيفيل مسبقاً بنواياه لإجراء المناورات، إلا أن ذلك تم من باب الإخطار فقط، دون أي تنسيق فعلي.
نذر تصعيد مقبل
يرى المحلل السياسي اللبناني طوني بولوس أن المناورات تشكل تهديداً مباشراً وتمهد لجولة جديدة من التصعيد مع حزب الله، خاصة مع فشل الدولة اللبنانية في تنفيذ بند نزع السلاح المنصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024.
ويشير بولوس إلى أن إسرائيل تستعد لفرض هذا الشرط بالقوة إذا لزم الأمر، وهو ما تترجمه الضربات الإسرائيلية الأخيرة لمخازن الحزب ومنشآته، في تمهيد واضح لاحتمال توسيع رقعة المواجهة.
بين الردع والتصعيد
تبدو إسرائيل اليوم في مرحلة إعادة تموضع استراتيجي تشمل كل الجبهات، من غزة إلى لبنان. فالمناورات الأخيرة لا تُقرأ كتحرك ميداني فقط، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة رسم معادلات الردع، وتهيئة البيئة السياسية والعسكرية لمرحلة جديدة من الصراع.
وفي حين تسعى تل أبيب لتثبيت صورة القوة، يبقى السؤال الأبرز: هل تؤدي هذه التحركات إلى تثبيت الاستقرار، أم إلى إشعال جولة جديدة من النار على الحدود الشمالية؟
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




