حصار الحوثيين يضيّق الخناق على تعز.. الغذاء والدواء في خطر

تواجه مدينة تعز اليمنية تفاقماً في الأزمة الإنسانية مع تشديد القيود على طرق الإمداد الرئيسية واستمرار العمليات العسكرية والقصف الذي يطال مناطق سكنية، في تطورات تهدد حياة المدنيين وتزيد صعوبة الحصول على الغذاء والوقود والمياه والخدمات الصحية. وتتسع دائرة المخاطر لتشمل أكثر من مليون شخص، وسط تحذيرات من تداعيات نقص الإمدادات الطبية على نحو 1500 مريض ومولود يعتمدون على خدمات صحية منقذة للحياة.
وتأتي هذه التطورات عقب السيطرة على منافذ رئيسية تربط مركز المحافظة بمناطق خاضعة للحكومة اليمنية، وصولاً إلى العاصمة المؤقتة عدن، ما أدى إلى تعقيد حركة التجارة والإمدادات ورفع الضغوط على الأسواق والمرافق الخدمية.
وتعيد القيود المفروضة على الطرق والمواجهات المتواصلة إلى الواجهة أزمة الحصار التي عانت منها تعز خلال الأعوام الماضية، لكن تزامنها مع نقص الاحتياجات الأساسية وتراجع قدرة المرافق الصحية على العمل يضاعف المخاوف بشأن الأوضاع المعيشية للسكان.
المستشفيات أمام خطر نفاد الإمدادات
تتصدر الأزمة الصحية تداعيات الحصار، في ظل تحذيرات من تراجع مخزونات الأدوية والمستلزمات الطبية والمحاليل والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية.
وحذّر مكتب الصحة والسكان في تعز من أن استمرار عرقلة دخول الإمدادات يهدد حياة نحو 1500 مريض ومولود، مشيراً إلى وصول المخزونات إلى مستويات حرجة تنذر بتداعيات صحية خطيرة.
وأوضح المكتب، في بيان صدر الثلاثاء، أن الخطر يشمل 1110 مرضى يعانون الفشل الكلوي ويتلقون 210 جلسات غسيل يومياً، إضافة إلى 192 مريضاً في أقسام العناية المركزة و154 مولوداً داخل حضانات الرعاية.
وأشار إلى أن استمرار النقص قد يؤدي إلى توقف خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة وغسيل الكلى وحضانات الأطفال الخدج، ما يعرّض حياة المرضى والجرحى والنساء الحوامل وحديثي الولادة لخطر مباشر.
ولا تقتصر المخاطر على نقص الأدوية والمستلزمات، إذ قد يمتد تأثير الأزمة إلى مولدات الكهرباء وسيارات الإسعاف ومصانع إنتاج الأكسجين، فضلاً عن تعطل سلاسل التبريد المركزية المستخدمة لحفظ الأدوية واللقاحات.
وحمّل مكتب الصحة الحوثيين مسؤولية استمرار الحصار، مطالباً بفتح طرق الإمداد وضمان المرور الآمن للمرضى وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والمساعدات الإنسانية.
كما دعا الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والشركاء الصحيين إلى التدخل العاجل لتوفير الأدوية ومستلزمات الأكسجين والوقود، مع إعطاء الأولوية للخدمات المنقذة للحياة.
مخزون القمح والوقود تحت الضغط
بالتوازي مع الأزمة الصحية، تواجه تعز ضغوطاً متزايدة على أمنها الغذائي، نتيجة تعطل الطرق التجارية وصعوبة وصول الشحنات إلى الأسواق، ما أسهم في ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وحذّر مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي من محدودية مخزون القمح والدقيق، مشيراً إلى أن نحو 20 ألف طن من المخزون تكفي قرابة 19 يوماً من الاستهلاك المقدر في المديريات الخاضعة للحكومة بمحافظة تعز، وفق بيانات مكتب الصناعة والتجارة.
وفي قطاع الوقود، رصد المركز اختفاء البنزين من محطات التعبئة، مع ارتفاع سعر الصفيحة سعة 20 لتراً في السوق السوداء إلى نحو 100 ألف ريال يمني، بالتزامن مع عدم توافر الغاز المنزلي في معظم نقاط البيع وتراجع المعروض من الدقيق الأبيض.
وتضع هذه التطورات آلاف الأسر أمام خيارات معيشية صعبة، مع اضطرارها إلى تخصيص حصة متزايدة من دخلها لتأمين الغذاء والوقود، في وقت ترتفع فيه تكاليف التنقل وتتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وحذّر المركز أيضاً من احتمال انقطاع الإمدادات الشهرية البالغة نحو 65 ألف لتر من الديزل المخصصة لمؤسسة المياه، وهي كمية تعادل 72% من احتياجاتها التشغيلية. وقد يؤدي توقف هذه الإمدادات إلى تهديد استمرار ضخ المياه، بما يفاقم المخاطر الصحية، خصوصاً على الأطفال وكبار السن والمرضى والأسر الأشد فقراً.
القصف يوسّع دائرة الخطر على المدنيين
إلى جانب الحصار وتعطل الإمدادات، يواجه المدنيون مخاطر مباشرة جراء استمرار القصف الذي يستهدف مناطق سكنية في مدينة تعز وأرياف المحافظة، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى وتضرر منازل.
وأفاد مكتب حقوق الإنسان في محافظة تعز بمقتل ستة أشخاص وإصابة 17 آخرين جراء عمليات قصف قال إن الحوثيين نفذوها في أرياف المحافظة ومركزها خلال الساعات الماضية.
وبحسب المكتب، قُتل خمسة أشخاص في أرياف المحافظة، فيما قُتلت طفلة تبلغ خمس سنوات إثر قصف استهدف منزل أسرتها في منطقة حيصبان بمديرية المسراخ.
وأضاف أن القصف الذي طال مدينة تعز أدى إلى إصابة مدنيين، بينهم ستة من كبار السن وخمس نساء وستة أطفال، فضلاً عن تضرر سبعة منازل.
وتزيد القيود المفروضة على حركة السكان صعوبة التنقل بين المناطق، إذ يضطر بعضهم إلى استخدام طرق بديلة أطول وأكثر كلفة للوصول إلى المناطق المجاورة. كما أصبحت تنقلات المرضى والطلاب والموظفين أكثر تعقيداً في ظل تدهور الوضع الأمني.
وتزامن استمرار العمليات العسكرية في الأرياف الجنوبية مع موجات نزوح نحو مركز المحافظة، ما يضيف أعباء جديدة على الأسر التي تواجه صعوبات في تأمين الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.
مناشدات عاجلة لتوسيع الاستجابة الإنسانية
مع اتساع الاحتياجات وتراجع الإمدادات، وجّهت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مناشدة عاجلة إلى المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني وشركاء القطاع الخاص، داعية إلى تكثيف الجهود الإنسانية والإغاثية للتخفيف من معاناة السكان.
وأشارت الوزارة إلى التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية وتزايد الاحتياجات الأساسية، خصوصاً لدى الفئات الأكثر ضعفاً، مطالبة بتوفير المساعدات الغذائية والإيوائية والصحية والمياه والإمدادات الضرورية، إلى جانب توسيع برامج الحماية الاجتماعية.
وشددت المناشدة على إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر الأشد فقراً وتضرراً، وضمان وصول المساعدات إلى المستحقين وفقاً للاحتياجات والأولويات الميدانية.
كما دعت الوزارة إلى تعزيز التنسيق بين المنظمات والجهات الحكومية والسلطات المحلية والقطاع الخاص، لتسريع الاستجابة للطوارئ وتجنب ازدواجية المساعدات وتحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة.
وبين نقص الغذاء والوقود وتراجع الإمدادات الطبية واستمرار القصف والنزوح، تواجه تعز أزمة متشابكة تتجاوز صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية إلى تهديد الخدمات الأساسية وحياة الفئات الأكثر هشاشة، فيما يبقى تخفيف المعاناة مرتبطاً بوصول الإمدادات الإنسانية والطبية وضمان حركة المدنيين والمساعدات بأمان.




