أذربيجان ترد على انتقادات تركيا.. أزمة الحجاب تتصاعد

انتقل الجدل بشأن منع طالبات محجبات من دخول مدارس في أذربيجان إلى مواجهة سياسية وإعلامية مع تركيا، بعدما انتقد مسؤولون وشخصيات تركية الإجراءات التعليمية، في حين اتهمت باكو أطرافاً تركية بالتدخل في شؤونها الداخلية، مؤكدة تمسكها بنظامها الدستوري العلماني.
وتصاعدت تداعيات الأزمة خلال أيام، لتتجاوز الخلاف حول قواعد الزي المدرسي إلى إجراءات قضائية وقيود على دخول مواطنين أتراك إلى أذربيجان، بينهم سياسيون وصحفيون وأكاديميون، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة البلدين على احتواء التوتر والحفاظ على شراكتهما الاستراتيجية.
اتصالات رسمية لاحتواء التصعيد
أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأذربيجاني إلهام علييف اتصالاً هاتفياً، الأربعاء، أكدا خلاله متانة العلاقات بين البلدين، في خطوة عكست رغبة في تجنب اتساع الخلاف، رغم استمرار السجال السياسي والإعلامي بين الطرفين.
ويأتي الاتصال في وقت تواجه فيه العلاقات الثنائية اختباراً جديداً، على خلفية تباين المواقف بشأن الحجاب وحدود انتقاد السياسات الداخلية لكل دولة، وسط مخاوف من انتقال الخلاف إلى ملفات أوسع تمس التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين أنقرة وباكو.
وبدأت الأزمة مع تطبيق قواعد للزي المدرسي في أذربيجان، تقول السلطات إنها تهدف إلى توحيد الزي وتعزيز مبادئ العلمانية في المؤسسات التعليمية. ورغم أن القواعد لا تنص صراحة على حظر الحجاب، فإن منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول بعض المؤسسات التعليمية أثار انتقادات داخل تركيا.
واكتسبت هذه الانتقادات طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً بعدما دعا أوكتاي سارال، مستشار الرئيس التركي، السلطات الأذربيجانية إلى مراجعة إجراءاتها، معتبراً أن منع الطالبات المحجبات من التعليم أمر غير مقبول. كما انضم نواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى الأصوات المنتقدة.
في المقابل، رد حزب أذربيجان الجديدة، الذي يقوده علييف، باتهام سارال وعدد من النواب الأتراك باستخدام خطاب شعبوي وغير مسؤول، معتبراً أن توظيف قضية الحجاب سياسياً يمس سيادة البلاد ونظامها الدستوري العلماني.
وبذلك، تحوّل الخلاف من نقاش بشأن قواعد التعليم والحرية الدينية إلى مواجهة حول حدود التدخل في الشؤون الداخلية، في وقت يصف فيه البلدان علاقاتهما بأنها قائمة على الأخوة والشراكة الوثيقة، ويرفعان شعار «أمة واحدة في دولتين».
إجراءات قضائية وقيود على دخول الأتراك
اتخذت الأزمة منحى أكثر حدة مع إعلان النيابة العامة الأذربيجانية اتخاذ إجراءات بحق سبعة أشخاص موجودين في تركيا، شملت إصدار مذكرات توقيف غيابية وإدراجهم على قوائم المطلوبين دولياً، على خلفية اتهامات تتعلق بالدعوة إلى تغيير النظام الدستوري بالقوة والتحريض على الكراهية الدينية.
وفي اليوم التالي، أعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية إدراج 31 مواطناً تركياً على قائمة الأشخاص غير المرغوب فيهم، ومنعهم من دخول البلاد، استناداً إلى تصريحات ومنشورات قالت إنها تستهدف سيادة الدولة وأمنها وتحرض على العنف والكراهية.
وضمت القائمة شخصيات سياسية معروفة، بينها فاتح أربكان، رئيس حزب «الرفاه من جديد»، والنائب عن حزب العدالة والتنمية عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو، إلى جانب صحفيين وأكاديميين انتقدوا عبر منصات التواصل الاجتماعي الإجراءات المتعلقة بالحجاب.
ورد أربكان على القرار بتجديد مطالبته بالسماح للطالبات المحجبات بدخول المدارس من دون إجبارهن على نزع الحجاب، كما انتقد العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل، ما أضاف بُعداً آخر إلى السجال بين الطرفين.
ويعكس التصعيد انتقال الخلاف إلى مستوى يتجاوز التصريحات المتبادلة، مع دخول الإجراءات القضائية والقيود على السفر على خط الأزمة، الأمر الذي قد يزيد الضغوط السياسية على الحكومتين لاحتواء تداعياتها.
شراكة استراتيجية تحكمها حسابات متباينة
في تركيا، برزت دعوات إلى تجنب أي خطوات من شأنها الإضرار بالعلاقات مع أذربيجان، مع التشديد على الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين وضرورة معالجة الخلاف بالحوار والتفاهم.
وتستند الشراكة بين أنقرة وباكو إلى مصالح سياسية وأمنية واقتصادية، فضلاً عن الروابط الثقافية. كما قدمت تركيا دعماً عسكرياً مهماً لأذربيجان خلال حربها الأخيرة مع أرمينيا، ما عزز التقارب بين البلدين ورسّخ مكانة أنقرة شريكاً رئيسياً لباكو.
لكن هذه الشراكة لا تلغي وجود تباينات في بعض الملفات، وفي مقدمتها مفهوم العلمانية ودور الدين في الحياة العامة. وتتمسك أذربيجان بنظامها العلماني، وسط مخاوف لديها من اتساع نفوذ التيارات الدينية المدعومة من إيران، في مجتمع ينتمي جزء كبير من سكانه إلى المذهب الشيعي.
وتظهر الاختلافات أيضاً في السياسة الخارجية، إذ تحافظ باكو على علاقات اقتصادية وثيقة مع إسرائيل، وتؤكد أن هذه العلاقات لا تتعارض مع دعمها إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقانون الدولي.
وقد أظهرت الانتقادات التركية للعلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية جانباً إضافياً من التباينات بين البلدين، في ظل حرص باكو على الاحتفاظ بهامش مستقل في إدارة سياستها الخارجية، وعدم إخضاع قراراتها لضغوط من حلفائها.
هل تنجح أنقرة وباكو في احتواء الخلاف؟
تكشف أزمة الحجاب عن تداخل قضايا التعليم والهوية الدينية مع حسابات السيادة والسياسة الخارجية في العلاقات التركية الأذربيجانية. فبينما تنظر أطراف تركية إلى الإجراءات التعليمية باعتبارها مساساً بحرية الطالبات المحجبات، تعتبر باكو الانتقادات الموجهة إليها تدخلاً في شؤونها الداخلية.
ورغم أن الاتصال بين أردوغان وعلييف يشير إلى رغبة في منع الخلاف من التحول إلى أزمة مفتوحة، فإن استمرار الإجراءات المتبادلة والسجالات السياسية قد يضع العلاقة أمام اختبار إضافي.
ومع تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية بين البلدين، تبدو الأولوية أمام أنقرة وباكو هي الفصل بين الخلافات المرتبطة بالسياسات الداخلية ومجالات التعاون الاستراتيجي، بما يسمح باحتواء الأزمة من دون الإضرار بالشراكة القائمة بينهما.




