أخبــاربلاد الجوارنبض الساعة

السعودية تطلب الدعم.. لماذا يتوقف الحلفاء عند حدود اليمن؟

تتسع دائرة الدول المستعدة لتقديم دعم عسكري للسعودية، من بريطانيا وفرنسا إلى تركيا وباكستان ومصر، عبر مقاتلات وأنظمة دفاع جوي ورادارات ومساعدات استخبارية وتقنية. لكن هذا التقارب العسكري لا يعني بالضرورة تشكيل تحالف لشن هجمات داخل اليمن، إذ تبدو حماية الأراضي السعودية هدفاً مشتركاً، فيما يظل الانخراط في حرب مباشرة ضد الحوثيين خطوة أكثر تعقيداً.

وتكشف طبيعة المساهمات العسكرية المعلنة عن توجه لدى عدد من هذه الدول إلى حصر دورها في الدفاع عن السعودية وتعزيز قدراتها على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، من دون الالتزام بإرسال قوات برية إلى اليمن أو المشاركة في عمليات هجومية تستهدف الحوثيين.

بريطانيا وفرنسا.. حماية الأجواء والمنشآت الحيوية

تبرز بريطانيا بوصفها أحد الأمثلة الواضحة على الفصل بين دعم الدفاع السعودي والمشاركة في هجمات داخل اليمن. فقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية نشر مقاتلات «تايفون» في السعودية، إلى جانب طائرة نقل ومستشارين عسكريين ومساعدات إضافية.

وتتيح هذه المقاتلات تعزيز قدرات اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي قد تستهدف الأراضي السعودية، في حين يتركز الدعم البريطاني على حماية المملكة، من دون المشاركة في تنفيذ هجمات ضد الحوثيين داخل اليمن.

كما تسهم بريطانيا في تعزيز قدرة الطائرات السعودية على مواصلة التحليق عبر توفير التزود بالوقود جواً بواسطة طائرة صهريج موجودة في المملكة، بما يدعم العمليات الجوية السعودية من الناحية اللوجستية، من دون أن يعني ذلك تولي القوات البريطانية الدور الهجومي.

أما فرنسا، فتقدم دعماً يشمل أنظمة دفاع جوي ورادارات وأفراداً للمساعدة في حماية البنية التحتية، ولا سيما منشآت الطاقة. ويتركز هذا الدور أيضاً على تقليص مخاطر الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية، بدلاً من الانخراط المباشر في حملة عسكرية داخل اليمن.

ويعكس هذا النهج رغبة في مساندة حليف إقليمي وتعزيز قدراته الدفاعية، مع تجنب توسيع نطاق المواجهة إلى حرب قد تتطلب التزامات عسكرية طويلة الأمد.

تركيا وباكستان.. اتفاق دفاعي لا يعني حرباً برية

تقترب تركيا وباكستان من الموقف نفسه، في ظل علاقاتهما الدفاعية مع السعودية. فقد وقعت الدولتان اتفاق دفاع مشترك مع الرياض، بالتزامن مع تحركات تركية لبحث إرسال عسكريين إلى المملكة.

لكن التعاون الدفاعي لا يعني تلقائياً المشاركة في عمليات داخل اليمن. وتشير المواقف المعلنة إلى أن الدور الباكستاني يتركز على دعم السعودية وحمايتها، مع تأكيد عدم إرسال قوات عبر الحدود إلى اليمن بهدف مهاجمة الحوثيين.

ومن المتوقع أن يتركز الدور التركي، في حال توسيعه، على مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والاستخبارات والدعم التقني، وهي قدرات يمكن أن تعزز حماية الأراضي السعودية من دون الانخراط في معارك برية داخل اليمن.

ويتيح هذا النوع من التعاون للدولتين دعم الرياض، مع الاحتفاظ بهامش لتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد تتسع تداعياتها وتتجاوز حدود الساحة اليمنية.

مصر والبحر الأحمر.. مصالح استراتيجية وحدود التدخل

تتقارب مصر بدورها مع السعودية، مدفوعة بمصالح مباشرة تتعلق بأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة وقناة السويس. وقد أدانت القاهرة هجمات الحوثيين وأعلنت دعمها الإجراءات السعودية الرامية إلى الدفاع عن أراضيها.

لكن هذا الموقف لا يعني بالضرورة استعداد مصر للمشاركة في حرب برية داخل اليمن. وحتى الآن، يظل نطاق أي مشاركة عسكرية مصرية مباشرة، بما في ذلك احتمال تنفيذ عمليات جوية، غير محسوم بصورة واضحة.

وتتداخل الحسابات المصرية مع أهمية منع تهديد الملاحة البحرية، وتجنب الانخراط في صراع طويل قد يفرض أعباء عسكرية واقتصادية إضافية، خصوصاً إذا امتدت المواجهة إلى خطوط التجارة والطاقة في المنطقة.

تجربة 2015.. لماذا يصعب حسم الحرب عسكرياً؟

تساعد التجربة السعودية السابقة في تفسير التحفظات الحالية. ففي عام 2015، قادت الرياض تحالفاً عسكرياً ضد الحوثيين بعد سيطرتهم على مناطق واسعة من اليمن، بينها العاصمة صنعاء، معتمدة على سلاح جو متطور وقدرات استخبارية وتسليح غربي ودعم دولي.

لكن سنوات القتال لم تنتهِ بهزيمة الحوثيين، الذين تمكنوا من الحفاظ على وجودهم وتعزيز قدراتهم العسكرية، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستفيدين من الدعم الإيراني ومن طبيعة الجغرافيا اليمنية، ولا سيما المناطق الجبلية في الشمال.

وأظهرت هذه التجربة أن التفوق الجوي لا يضمن وحده تفكيك تنظيم متجذر على الأرض. فقد تنجح الضربات في تدمير مواقع عسكرية ومنصات إطلاق ومخازن، لكنها لا تضمن إنهاء قدرة الحوثيين على القتال أو منعهم من إعادة بناء قدراتهم.

أما الحسم العسكري الشامل، فقد يتطلب حملة جوية واسعة تترافق مع عمليات برية للسيطرة على مناطق استراتيجية والاحتفاظ بها، وهي خطوة ترفع الكلفة البشرية والمالية وتزيد احتمالات اتساع الحرب.

الحوثيون.. خصم يصعب حسم المواجهة معه من الجو

لا يواجه خصوم الحوثيين جيشاً تقليدياً يعتمد على قواعد عسكرية ثابتة ومراكز قيادة واضحة فحسب، بل تنظيماً يمتلك بنية عسكرية موزعة وقدرة على إخفاء بعض منشآته وتكييف أساليبه القتالية مع طبيعة الأراضي اليمنية.

كما أن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري شامل كي يفرضوا كلفة مرتفعة على خصومهم؛ فقد يكون استمرارهم في القتال وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة كافياً لإبقاء التهديد قائماً، حتى في حال تعرضهم لضربات واسعة.

وإذا امتدت حملة عسكرية لأسابيع أو أشهر، بالتزامن مع استمرار استهداف المدن والمطارات ومنشآت الطاقة وخطوط الملاحة، فقد تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة بدلاً من عملية محدودة الأهداف والمدة.

ويزيد الدعم الإيراني من تعقيد المشهد. فعلى الرغم من أن الحوثيين يمتلكون حساباتهم ومصالحهم المحلية، فإن المساندة الإيرانية أسهمت في تطوير قدراتهم الصاروخية وقدرات الطائرات المسيّرة. ولذلك، فإن أي هجوم واسع داخل اليمن قد يفتح الباب أمام تصعيد يتجاوز حدود المواجهة بين السعودية والحوثيين، ويمتد إلى التوتر الإقليمي الأوسع مع إيران.

وهنا يظهر الفارق بين اعتراض صاروخ متجه إلى الرياض والمشاركة في حرب هدفها تفكيك التنظيم الذي أطلقه. فالمهمة الثانية تتطلب استهداف منظومات الإنتاج والإطلاق والقيادة، إلى جانب وجود قوة قادرة على السيطرة على الأرض ومنع الحوثيين من استعادة مواقعهم.

من سيتولى المعركة البرية؟

تعتمد أي استراتيجية تهدف إلى إضعاف الحوثيين ميدانياً على وجود قوات يمنية قادرة على التقدم في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، بالتوازي مع الدعم الجوي والاستخباري واللوجستي من السعودية وشركائها.

لكن هذه المهمة تصطدم بغياب جيش وطني يمني موحد يتمتع بقدرة كافية على خوض عمليات واسعة والسيطرة على المناطق المستهدفة والحفاظ عليها. فالقوى المناهضة للحوثيين تضم الحكومة المعترف بها دولياً وتشكيلات محلية في الجنوب وقوات مسلحة وقبائل متعددة، ولا تتطابق مصالحها وأولوياتها في جميع الملفات.

ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى إدارة المناطق في حال تراجع سلطة الحوثيين، والقدرة على منع عودتهم، والمدة التي يتعين على القوات المحلية أو الخارجية البقاء خلالها لضمان استقرار الوضع.

ولا تتعلق المشكلة بتحقيق تقدم عسكري مؤقت فحسب، بل بوجود سلطة قادرة على ملء الفراغ وإدارة المناطق والسيطرة على الأمن بعد انتهاء العمليات. ومن دون تصور واضح لهذه المرحلة، قد يؤدي التدخل إلى فتح جبهات جديدة بدلاً من إنهاء الصراع.

واشنطن والغرب.. دعم الحلفاء من دون حرب مفتوحة

لا يقتصر هذا التحفظ على الدول الأوروبية أو الشركاء الإقليميين. فالولايات المتحدة تواصل دعم القدرات الدفاعية السعودية وتقديم أشكال من المساندة العسكرية والاستخبارية، لكن ذلك لا يعني استعدادها للانخراط في حملة واسعة جديدة ضد الحوثيين.

وتعكس هذه المقاربة توجهاً حذراً تجاه الحروب الطويلة التي تتطلب قوات على الأرض وتضع الدول المشاركة أمام مسؤوليات أمنية وسياسية بعد انتهاء العمليات. فقد أظهرت تجربتا العراق وأفغانستان حجم التحديات التي تواجه القوى الخارجية عندما تنتقل من تنفيذ ضربات عسكرية إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني.

وبناءً على ذلك، تميل الدول الغربية إلى التركيز على أهداف محددة، تشمل حماية الحلفاء واعتراض الصواريخ وتأمين طرق الملاحة ومواجهة التهديدات المباشرة، بدلاً من الالتزام بحرب مفتوحة تستهدف إسقاط تنظيم مسلح والسيطرة على مناطق واسعة ثم إدارة تداعيات الصراع.

كما أن غياب قوة يمنية موحدة وقادرة على تولي العبء البري يجعل أي تدخل خارجي أكثر تعقيداً، إذ قد تجد الدول المشاركة نفسها مضطرة إلى توسيع عملياتها أو إطالة وجودها العسكري إذا تعذر تحقيق الأهداف المعلنة.

دعم السعودية لا يعني المشاركة في حرب اليمن

تكشف طبيعة الدعم المقدم للسعودية عن معادلة تحكمها حسابات الأمن والكلفة والمخاطر. فبريطانيا وفرنسا وتركيا وباكستان ومصر تستطيع تعزيز الدفاعات الجوية وتوفير الرادارات والاستخبارات والدعم اللوجستي، بما يساعد الرياض على حماية أراضيها وتقليص أثر الهجمات.

لكن الانتقال من الدفاع عن السعودية إلى شن حملة واسعة داخل اليمن يطرح أسئلة مختلفة بشأن حجم القوات المطلوبة، وفرص حسم المعركة، واحتمالات الرد الحوثي، ودور إيران، والجهة التي ستتولى السيطرة على الأرض بعد انتهاء العمليات.

وبينما يبدو دعم السعودية هدفاً يمكن تحقيقه من خلال مساهمات عسكرية محددة، فإن هزيمة الحوثيين بصورة شاملة قد تستلزم حرباً أطول وأكثر كلفة، من دون ضمانات واضحة بشأن نهايتها.

وهكذا، لا يتمثل التحدي أمام الرياض في جمع الدعم العسكري فحسب، بل في تحديد ما يمكن لهذا الدعم تحقيقه فعلياً، وأين تنتهي مهمة حماية الأراضي السعودية وتبدأ مخاطر الانخراط في حرب جديدة داخل اليمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى