
حذّر مختصون في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية من تزايد الاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT، للحصول على استشارات عاطفية وأسرية، في ظل مخاوف من تحول هذه الأدوات إلى طرف إضافي في الخلافات الزوجية، بما قد يؤثر في الثقة المتبادلة ويضعف التواصل المباشر بين الشريكين.
ورغم أن هذه التقنيات قد تساعد بعض المستخدمين على التعبير عن مشاعرهم أو الاستعداد لمناقشة موضوعات حساسة، فإن استخدامها بديلاً عن الحوار بين الزوجين أو الاستعانة بمختصين قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً عندما تُعامل إجاباتها على أنها أحكام محايدة ونهائية بشأن الخلافات الشخصية.
الذكاء الاصطناعي مستشاراً للعلاقات الشخصية
تشير أبحاث أُعدّت بالتعاون بين جهات معنية بالصحة النفسية ودراسات الإنترنت إلى لجوء شريحة من مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي إلى هذه التقنيات للحصول على نصائح بشأن علاقاتهم الشخصية. كما انتشرت ممارسة استخدام المحادثات مع روبوتات الدردشة للتدرب على الحوارات الحساسة قبل خوضها مع الشريك في الواقع.
وقد تساعد هذه الممارسة على ترتيب الأفكار واختيار كلمات أكثر هدوءاً عند مناقشة الخلافات، لكنها لا تضمن نجاح الحوار أو فهم جميع أبعاده، إذ تظل العلاقات الإنسانية مرتبطة بتفاصيل عاطفية وسياقات شخصية قد لا تظهر كاملة في المحادثة الرقمية.
حين يتحول الروبوت إلى طرف في الخلاف
توضح مختصون في العلاقات الأسرية أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيداً في بعض الحالات، مثل مراجعة نبرة رسالة أو التعبير عن مشاعر يصعب ترتيبها. لكن المشكلة تبدأ عندما يمنح المستخدم هذه الأدوات سلطة الحكم على شريكه، أو يتعامل مع إجاباتها باعتبارها حقيقة موضوعية لا تحتمل الخطأ.
وقد يشعر أحد الطرفين بأنه يواجه شريكه إلى جانب أداة رقمية تدعم موقفه، ما يزيد حدة الخلاف بدلاً من فتح المجال للتفاهم. كما أن إجابات الذكاء الاصطناعي تعتمد على المعلومات التي يقدمها المستخدم، وقد تتأثر بصياغة السؤال وطريقة عرض الوقائع، فلا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة للمشكلة.
هل يمنح ChatGPT المستخدم شعوراً زائفاً بالانتصار؟
من أبرز المخاوف التي يثيرها استخدام روبوتات الدردشة في الخلافات الزوجية، طرح أسئلة منحازة بهدف إثبات أن أحد الطرفين على حق، أو الحصول على تأكيد بأن الطرف الآخر هو المسؤول عن المشكلة.
فعندما يروي المستخدم الواقعة من وجهة نظره وحدها، قد تأتي الإجابة منسجمة مع المعلومات المعروضة، من دون أن تتوافر تفاصيل كافية لفهم موقف الشريك أو دوافعه. وقد يدفع ذلك المستخدم إلى اعتبار الرد تأييداً نهائياً لرأيه، فيزداد تمسكه بموقفه وتتراجع فرص الوصول إلى تسوية مشتركة.
ولا يعني ذلك أن جميع إجابات الذكاء الاصطناعي منحازة بالضرورة، بل إن الاعتماد عليها للفصل في نزاعات شخصية يتجاوز حدود ما يمكن أن تقدمه أداة لا تستمع إلى الطرفين ولا تعيش تفاصيل العلاقة.
تحليل الرسائل الخاصة يثير مخاوف بشأن الثقة
يحذّر مختصون أيضاً من مشاركة الرسائل الخاصة والحميمية مع أدوات الذكاء الاصطناعي بهدف تحليلها أو تفسير نوايا الطرف الآخر. فهذه الممارسة تثير تساؤلات بشأن خصوصية الشريك، ومدى موافقته على مشاركة محادثاته، فضلاً عن احتمال إساءة فهم الكلمات أو نبرة الرسائل بعيداً عن سياقها الكامل.
وقد تؤدي مشاركة تفاصيل شديدة الخصوصية من دون علم الطرف الآخر إلى إضعاف الثقة إذا اكتشف الأمر لاحقاً. كما أن تفسير رسالة منفردة لا يكفي بالضرورة لتحديد مشاعر صاحبها أو فهم دوافعه، لأن التواصل الإنساني يعتمد على عوامل تتجاوز النص المكتوب.
الحوار المباشر يظل أساس العلاقة الصحية
لا تكمن المشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُستعان بها من خلاله في إدارة العلاقات. ويمكن لهذه الأدوات أن تساعد على ترتيب الأفكار أو اقتراح أساليب أكثر هدوءاً للتعبير عن المشاعر، شرط ألا تتحول إلى بديل عن الاستماع المتبادل أو اتخاذ القرارات المشتركة.
وفي المقابل، قد تكون الاستعانة بمختص في العلاقات الأسرية أكثر ملاءمة عندما تتكرر الخلافات أو يصعب على الشريكين التواصل بصورة بناءة، إذ يستطيع المختص الاستماع إلى الطرفين وفهم السياق الأوسع للمشكلة.
وفي النهاية، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة يمكن الاستفادة منها ضمن حدود واضحة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحوار الصريح والتعاطف المتبادل. فالحفاظ على العلاقة الزوجية يتطلب مشاركة الطرفين في فهم الخلافات ومعالجتها، لا البحث عن إجابة رقمية تحسم من المخطئ ومن المصيب.




