حصار الوقود يخنق مالي.. المتشددون يستهدفون شرايين الإمداد

تعتمد مالي بدرجة كبيرة على واردات الوقود المنقولة براً، ولا سيما عبر الشاحنات القادمة من ساحل العاج والنيجر، لكن تصاعد الهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة على الطرق الرئيسية جعل إيصال المحروقات إلى البلاد مهمة محفوفة بالمخاطر، وسط تعثر شبه كامل للإمدادات القادمة من النيجر إلى مالي وبوركينا فاسو.
ورغم المخاطر الأمنية، يواصل سائقو الشاحنات رحلاتهم لنقل الوقود، في وقت تسعى فيه السلطات المالية إلى تأمين القوافل بمرافقة عسكرية، بمشاركة عناصر من الفيلق الأفريقي الروسي، للحد من الهجمات التي تستهدف السائقين وشاحنات الصهاريج.
طرق الإمداد تحت تهديد الهجمات
تواجه حركة نقل الوقود عراقيل متزايدة على الطرق البرية التي تربط مالي بالنيجر وبوركينا فاسو، إذ تمر هذه المسارات عبر مناطق تنشط فيها جماعات مسلحة، بينها جماعات تابعة لتنظيم «داعش» في الصحراء الكبرى وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وأفاد تجار ماليون بوجود عشرات الشاحنات العالقة أو المتأخرة على الطريق المؤدي إلى معبر نيوغوني الحدودي، الواقع على الجانب الإيفواري من الحدود مع مالي، على بُعد نحو 330 كيلومتراً من العاصمة باماكو. ويُعد المعبر أحد الممرات الأساسية لنقل البضائع بين البلدين.
وبحسب إفادات عاملين في قطاع النقل، عادت طوابير الشاحنات إلى الظهور، لكن حركة الإمدادات لم تستعد مستوياتها السابقة، في ظل مخاوف السائقين من التعرض للقتل أو الاختطاف خلال الرحلات بين جنوب البلاد والعاصمة.
ورغم هذه التهديدات، يواصل السائقون عبور الحدود لتأمين دخل أسرهم. ويقول تجار إن بعضهم يكرر الرحلات عدة مرات شهرياً، مقابل بدلات مخاطر تتراوح بين 75 و150 يورو، تُدفع لهم من أصحاب العمل.
وتشير بيانات منظمة «أكليد» المتخصصة في رصد النزاعات وتحليلها إلى احتراق نحو 200 شاحنة في مالي خلال بضعة أشهر، في مؤشر إلى حجم المخاطر التي تواجه قطاع النقل البري.
مرافقة عسكرية لتأمين القوافل
في محاولة للحد من الهجمات، لجأت السلطات المالية إلى توفير حماية مسلحة لقوافل الوقود، بمساعدة من الفيلق الأفريقي الروسي.
وفي بلدة كاديانا جنوبي مالي، يتجمع مئات السائقين انتظاراً لوصول القوات العسكرية، تمهيداً للانطلاق ضمن قافلة تضم نحو 150 شاحنة صهريج. وتعكس هذه الإجراءات حجم التحديات الأمنية واللوجستية التي تواجه نقل المحروقات إلى المناطق الداخلية، وفي مقدمتها العاصمة باماكو.
ولا تقتصر الصعوبات على التهديدات المسلحة، بل تشمل أيضاً ارتفاع تكاليف النقل وعدم انتظام الرحلات، ما يجعل تأمين الوقود عملية معقدة تعتمد على توافر الحماية العسكرية واستمرار عمل المعابر والطرق التجارية.
كما أن استيراد المنتجات النفطية من النيجر يواجه عقبات إضافية، إذ يتطلب إيصال الإمدادات إلى باماكو وواغادوغو الاستفادة من مرافق التكرير المحلية في مالي وبوركينا فاسو، الأمر الذي يزيد تعقيدات سلسلة التوريد.
خلافات إقليمية تعقّد حركة التجارة
تتأثر إمدادات الوقود أيضاً بالتوترات بين النيجر وبنين، بعدما أُغلقت الحدود بين البلدين رسمياً في آب 2023، ثم تصاعدت الخلافات بشأن حركة الشحنات عبر محطة سيمي خلال أيار وحزيران 2024.
ورغم استئناف الشحنات الفعلية في صيف 2024، استمرت الخلافات السياسية في التأثير على انسيابية حركة البضائع، والحد من الخيارات المتاحة لإعادة توجيه جزء من النفط الخام نحو مالي.
وعلى المستوى الإقليمي، تنص معاهدة كونفدرالية دول الساحل، الموقعة في نيامي في تموز 2024، على التعاون في مجال الطاقة، لكنها لم تحدد آليات تشغيلية تفصيلية لتنسيق تجارة المحروقات ونقلها بين الدول الأعضاء. كما لم تُنشأ شركة مشتركة رسمياً تتولى هذه المهام نيابة عن شركات البلدان الثلاثة.
أزمة متكررة وتداعيات على المستهلكين
سبق أن شهدت مالي اضطرابات في إمدادات الوقود خلال عامي 2022 و2023، على خلفية القيود التي فرضتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والهجمات التي استهدفت قوافل ناقلات النفط.
ومع استمرار المخاطر الأمنية وتراجع انتظام الإمدادات، تتزايد الضغوط على منظومة توزيع المحروقات في البلاد، فيما يظل وصول الوقود إلى الأسواق مرتبطاً بقدرة السلطات على حماية طرق النقل، وتأمين المعابر، وتجاوز الخلافات التي تعرقل التجارة الإقليمية.




