مخزون سدود الفرات يرتفع.. هل تتحول أمطار الشتاء إلى خطر؟

تتزايد المخاوف بين سكان المناطق القريبة من نهر الفرات من احتمال ارتفاع منسوب المياه خلال فصل الشتاء، مع تداول معلومات عن ارتفاع مخزون سد أتاتورك في تركيا وسدود الفرات في سوريا، واحتمال زيادة تصريف المياه أو فتح بوابات السدود إذا ارتفعت الهطولات المطرية والواردات المائية.
لكن البيانات الرسمية المتاحة تشير إلى أن بعض الأرقام المتداولة لا تعكس الوضع الحالي بدقة، فيما يبقى احتمال ارتفاع منسوب النهر مرتبطاً بتطورات الأمطار وكميات المياه القادمة من تركيا ومستويات التخزين وقرارات تشغيل السدود خلال الأشهر المقبلة.
سد أتاتورك عند 89 في المئة
بحسب أحدث البيانات المنشورة عن إدارة المياه والصرف الصحي في شانلي أورفا «ŞUSKİ»، والمحدّثة في 26 تشرين الأول الجاري، بلغت نسبة امتلاء سد أتاتورك المقام على نهر الفرات نحو 89 في المئة، خلافاً لمنشورات تحدثت عن تجاوزها 90 في المئة.
وأظهرت البيانات أن متوسط امتلاء السدود التي تتابعها الإدارة بلغ 84 في المئة، فيما وصلت نسبة امتلاء سد بيرجيك إلى 78 في المئة.
وتتغير مستويات التخزين بصورة مستمرة تبعاً لكميات الأمطار والمياه الواردة والتصريفات التشغيلية، ما يجعل قراءة الأرقام مرتبطة بتاريخ نشرها، ولا يكفي ارتفاع نسبة الامتلاء وحده للاستدلال على وجود خطر فيضان.
مخزون بحيرات الفرات تجاوز 97 في المئة خلال أيار
في سوريا، أعلنت المؤسسة العامة لسد الفرات في أيار الماضي أن مخزون بحيرات الفرات تجاوز 97 في المئة، الأمر الذي دفع الجهات المعنية آنذاك إلى زيادة كميات المياه الممررة عبر السدود.
وحذرت دائرة الإنذار المبكر في وزارة الطوارئ خلال الفترة نفسها من ارتفاع منسوب النهر، بعدما ارتفعت كميات المياه المتدفقة من نحو 500 إلى 800 متر مكعب في الثانية، مع احتمال وصولها إلى ألف متر مكعب في الثانية.
لكن البيانات الرسمية المتاحة لا تتضمن نسبة حديثة تؤكد استمرار مخزون بحيرات الفرات فوق 95 في المئة، لذلك لا يمكن اعتبار أرقام أيار وصفاً دقيقاً للوضع الراهن.
خفض التصريف مع تراجع الوارد المائي
تشير المعطيات السورية المنشورة خلال تشرين الأول إلى تغير في إدارة تدفقات المياه مقارنة بفصل الربيع.
ففي 14 تشرين الأول، أعلنت وزارة الطاقة خفض كميات المياه الممررة من سدود الفرات من 1200 إلى 900 متر مكعب في الثانية، نتيجة تراجع الوارد المائي من الجانب التركي، وبعد مراقبة مستويات المياه في البحيرات.
وكانت الوزارة قد رفعت التصريف خلال أيلول إلى 1100 ثم 1200 متر مكعب في الثانية، بالتزامن مع زيادة الواردات القادمة من تركيا.
وأوضحت أن زيادة التصريف استهدفت التعامل مع ارتفاع الواردات المائية، إلى جانب توفير سعة تخزينية إضافية في سد الفرات استعداداً لاستقبال الكميات المتوقعة خلال فصل الشتاء.
وتوضح هذه الإجراءات أن التصريف لا يرتبط بمستويات التخزين وحدها، بل يتأثر أيضاً بحجم المياه الواصلة إلى السدود والقدرة على استيعابها وإدارة تدفقها.
هل يُرجح حدوث فيضان خلال الشتاء؟
لا تتضمن البيانات الرسمية المذكورة تحذيراً يؤكد أن حدوث فيضان في نهر الفرات خلال الشتاء المقبل أمر مرجح أو وشيك.
ومع ذلك، فإن زيادة الهطولات المطرية والواردات المائية خلال فترة قصيرة قد تدفع الجهات المشغلة للسدود إلى رفع كميات التصريف أو استخدام بوابات المفيض للحفاظ على مناسيب البحيرات ضمن الحدود التشغيلية الآمنة.
وقد شهد العام الجاري إجراءات من هذا النوع. ففي أيلول، فتحت وزارة الطاقة بوابة المفيض رقم 6 في سد الفرات، ورفعت التصريف إلى 1100 متر مكعب في الثانية للتعامل مع زيادة الواردات والحفاظ على مناسيب المياه.
وخلال موجة ارتفاع المياه في أيار، وصلت عمليات التصريف إلى مستويات أعلى، فيما حذر الدفاع المدني من احتمال ارتفاع منسوب الفرات بأكثر من مترين فوق معدله الطبيعي، بالتزامن مع وصول التصريف إلى 1800 متر مكعب في الثانية.
ولا يعني رفع التصريف أو فتح بوابات المفيض بالضرورة وجود خطر على سلامة السدود، إذ تُستخدم هذه الإجراءات لإدارة تدفقات المياه والمحافظة على مناسيب التخزين ضمن الحدود التشغيلية المناسبة. لكن زيادة المياه المارة في المجرى قد ترفع المخاطر على المناطق القريبة من الضفاف والمنخفضات.
تحذيرات لسكان الرقة ودير الزور
رافقت عمليات زيادة التصريف خلال الأشهر الماضية تحذيرات من وزارتي الطاقة والطوارئ للسكان في الرقة ودير الزور، دعتهم إلى الابتعاد عن مجرى الفرات وضفافه، ونقل معدات الري والمحركات القريبة من المياه، وتوخي الحذر عند استخدام الجسور المؤقتة والزوارق والعبّارات.
وفي أيار، دعت دائرة الإنذار المبكر إلى إخلاء الإشغالات القريبة من النهر، بالتزامن مع ارتفاع المنسوب وزيادة سرعة الجريان.
وتبرز أهمية هذه التحذيرات في المناطق المنخفضة والأراضي التي توسعت فيها الأنشطة الزراعية والإشغالات قرب المجرى خلال السنوات التي تراجع فيها منسوب الفرات.
هل يمتد حرم النهر إلى 200 متر؟
تتداول بعض المنشورات معلومات تفيد بأن حرم نهر الفرات محدد بمسافة 200 متر، لكن التشريعات المائية السورية المتاحة لا تدعم اعتبار هذه المسافة قاعدة قانونية عامة وثابتة تنطبق على جميع مناطق النهر.
وينص قانون التشريع المائي رقم 31 لعام 2005 على ألا يقل الحرم المباشر للمصادر المائية ومنشآت المياه العامة الرئيسية عن ستة أمتار، مع ترك تحديد الحدود الفعلية للجهات المختصة وفق طبيعة المصدر أو المنشأة والمخططات المعتمدة.
وبالتالي، لا يمكن الجزم بأن مسافة 200 متر تمثل حداً قانونياً عاماً على امتداد نهر الفرات، ما لم يوجد قرار أو مخطط رسمي خاص بالمنطقة المعنية.
أين تتركز المخاطر الفعلية؟
تظل المنشآت السكنية والزراعية الواقعة بالقرب من مجرى النهر، ولا سيما في المناطق المنخفضة، أكثر عرضة للأضرار عند ارتفاع المناسيب أو زيادة كميات المياه المارة عبر السدود.
ولهذا تشدد الجهات الرسمية عند رفع التصريف على إخلاء الإشغالات القريبة، ونقل المعدات والثروة الحيوانية إلى أماكن مرتفعة وآمنة، ومتابعة التنبيهات الصادرة عن الجهات المختصة.
وفي ضوء البيانات المتاحة، لا توجد مؤشرات رسمية كافية للجزم بحدوث فيضان وشيك أو مؤكد في الفرات خلال الشتاء المقبل. لكن ذلك لا ينفي احتمال ارتفاع المنسوب إذا شهدت المنطقة أمطاراً غزيرة أو زيادة كبيرة في الواردات المائية من تركيا.
ويبقى تقييم المخاطر مرتبطاً بالتحديثات المستمرة لمستويات التخزين والتصريف، فيما يتعين على السكان القريبين من النهر الالتزام بتحذيرات الجهات المختصة، وعدم الاعتماد على أرقام قديمة أو توقعات غير موثقة.




