من عياش إلى سرمدا.. لماذا تتكرر انفجارات مستودعات السلاح في سوريا؟
سلسلة حوادث
أعادت الانفجارات المتكررة التي شهدتها مستودعات الأسلحة والذخائر في سوريا، من دير الزور إلى ريفي دمشق وإدلب ودرعا، فتح ملف إدارة المخازن العسكرية وآليات التعامل مع الذخائر ومخلفات الحرب، وسط مخاوف من استمرار سقوط ضحايا في صفوف العسكريين والمدنيين.
وخلال الفترة الماضية، تسببت انفجارات عدة في سقوط قتلى وجرحى، وأثارت مخاوف بشأن سلامة المناطق المأهولة القريبة من مواقع تخزين الأسلحة، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى إجراءات فنية وأمنية أكثر صرامة لمنع تكرار هذه الحوادث.
وتشير المعطيات الواردة من الميدان إلى أن معالجة الملف لا تقتصر على تأمين المستودعات وحراستها، بل تتطلب إعادة تنظيم عمليات التخزين والفرز والنقل والتخلص من الذخائر التالفة، وفق معايير متخصصة تراعي طبيعة المواد الخطرة وحساسية التعامل معها.
التخزين.. ثغرة أساسية
يرى خبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية أن تنظيم مستودعات الأسلحة والمواد القابلة للاشتعال والانفجار يمثل خطوة أساسية للحد من المخاطر، خصوصاً في ظل وجود كميات من الذخائر المتراكمة التي خلفتها العمليات العسكرية والانسحابات السابقة.
وتتطلب عمليات التخزين، وفق المعايير الفنية المتخصصة، اختيار مواقع بعيدة عن التجمعات السكانية، وتوفير مساحات مناسبة وتهوية كافية، إلى جانب اعتماد منشآت مصممة وفق طبيعة المواد المخزنة وكمياتها.
كما تستدعي هذه العمليات الاستعانة بكوادر مؤهلة تمتلك خبرة في التعامل مع الذخائر والمواد المتفجرة، فضلاً عن تجهيز المستودعات بوسائل متكاملة للسلامة ومكافحة الحرائق، تشمل معدات الإطفاء ومصادر المياه ووسائل العزل والحماية.
وتبرز بين الأسباب المحتملة لوقوع مثل هذه الحوادث مشكلات تتعلق بضعف التنظيم، ونقص الخبرات الفنية، وعدم الالتزام بالمواصفات الهندسية الخاصة بالمباني المخصصة لتخزين المواد الخطرة.
أخطاء ميدانية
لا تقتصر مخاطر مستودعات السلاح على العوامل الفنية، إذ يمكن لبعض الممارسات الميدانية أن تزيد من احتمالات وقوع الانفجارات، ولا سيما عند تجميع الأسلحة والذخائر التي يتم العثور عليها خلال العمليات العسكرية أو الاستيلاء عليها في مواقع مختلفة.
وفي بعض الحالات، قد تُترك الذخائر في أماكن مؤقتة أو تُكدّس دون تصنيف واضح، ما يزيد صعوبة التعامل معها ويضاعف مخاطر الاحتكاك أو الاشتعال أو الانفجار.
ويحذر مختصون من التعامل مع الذخائر والألغام بوصفها مواد متشابهة، مؤكدين ضرورة فرزها وفق أنواعها وحالتها الفنية، وفصل الصواعق والمفجرات عن العبوات والألغام، ونقل كل صنف إلى مواقع مخصصة وآمنة.
كما تتطلب الذخائر المشكوك في سلامتها أو التالفة إجراءات خاصة، تبدأ بعزلها وتأمين محيطها، وصولاً إلى تفكيكها أو إبطال مفعولها في مناطق بعيدة عن السكان، وبواسطة فرق مؤهلة.
انفجار عياش
جاءت هذه التحذيرات عقب الانفجارات التي وقعت داخل مستودع للذخيرة تابع لوزارة الدفاع في منطقة عياش بريف دير الزور الغربي، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف العسكريين.
وعقب الحادث، توجهت فرق الإسعاف والدفاع المدني والأجهزة المختصة إلى الموقع، في حين استنفرت مستشفيات المنطقة لاستقبال المصابين، وسط عمليات بحث ومعاينة لتحديد ملابسات الانفجار وحجم الأضرار الناجمة عنه.
وأعلنت وزارة الدفاع السورية أن الانفجار وقع داخل نقطة عسكرية ومستودعات تابعة للجيش في منطقة عياش، مؤكدة فتح تحقيق للوقوف على الأسباب الفنية والميدانية للحادث.
وبحسب الحصيلة الأولية التي وردت عقب الانفجار، قُتل ستة أشخاص وأصيب تسعة آخرون، مع احتمال تغير الأرقام بالتزامن مع استمرار عمليات البحث والتحقيق.
وتراوحت إصابات الناجين بين المتوسطة والخطيرة، ونُقلوا إلى المشفى الوطني في دير الزور لتلقي العلاج، فيما واصلت فرق الإنقاذ عمليات البحث عن مفقودين محتملين تحت الأنقاض.
حوادث متتالية
لم يكن انفجار عياش الحادث الوحيد من نوعه خلال شهر أيلول، إذ شهدت مناطق سورية أخرى حوادث مماثلة داخل مستودعات للذخيرة والأسلحة.
ففي ريف دمشق، وقع انفجار داخل مستودع في محيط مدينة الضمير، قيل إنه مخصص لتخزين الذخائر التالفة التي يجري جمعها تمهيداً لإبطال مفعولها. ولم ترد معلومات عن وقوع خسائر بشرية جراء الحادث.
وقبل ذلك، شهدت منطقة برج النمرة قرب مدينة سرمدا في ريف إدلب الشمالي انفجاراً داخل مستودع للأسلحة، أسفر عن مقتل 17 شخصاً وإصابة عشرة آخرين، وفق المعطيات المتداولة حينها.
وأوضحت وزارة الدفاع السورية أن مستودع سرمدا كان منشأة مؤقتة مخصصة لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، وهو ما سلط الضوء مجدداً على مخاطر إنشاء مواقع تخزين مؤقتة للمواد الخطرة، لا سيما عندما تكون قريبة من الطرق أو المناطق المأهولة.
معالجة شاملة
تظهر سلسلة الحوادث أن معالجة ملف مستودعات الأسلحة في سوريا تتطلب خطة متكاملة لا تقتصر على الحراسة الأمنية، بل تشمل جرد المخزونات، وتصنيف الذخائر، وفحص المنشآت، وإبعاد المواقع الخطرة عن التجمعات السكانية.
كما تتطلب المرحلة المقبلة رفع مستوى الرقابة الفنية، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وتأمين فرق متخصصة للتعامل مع الذخائر التالفة ومخلفات الحرب، إلى جانب وضع آليات واضحة للنقل والتخزين والتخلص الآمن.
حماية الأرواح
مع استمرار وجود كميات من الأسلحة والذخائر المتراكمة في مواقع مختلفة، يبقى تقليص مخاطر الانفجارات مرتبطاً بمدى قدرة الجهات المعنية على الانتقال من المعالجة الطارئة إلى إدارة منهجية للترسانة والمخلفات العسكرية.
فكل تأخير في تنظيم المستودعات أو عزل المواد غير الآمنة قد يحول المواقع العسكرية إلى مصادر خطر مباشر على العاملين فيها والسكان المحيطين بها، ما يجعل الوقاية الفنية والأمنية ضرورة ملحة، وليس مجرد إجراء احترازي.




