أخبــاربلاد المهجر

توتر في بحر إيجه.. أنقرة وأثينا أمام مواجهة جديدة

شهدت العلاقات بين تركيا واليونان خلال اليومين الماضيين جولة جديدة من التوتر، في ظل استمرار الخلافات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي حول عدد من الملفات السياسية والأمنية والاستراتيجية.

وتجاوز التوتر الأخير التصريحات المتبادلة بشأن القضايا البحرية، ليمتد إلى ملفات تاريخية حساسة تعود إلى مرحلة الحرب اليونانية التركية وانهيار الدولة العثمانية، ما أعاد إلى الواجهة خلافات قديمة ظلت حاضرة في العلاقة بين أنقرة وأثينا رغم استمرار قنوات الحوار بينهما.

ويثير تصاعد التوتر خلال الأشهر الماضية تساؤلات حول قدرة البلدين على الحفاظ على مسار الحوار الذي اعتمدا عليه لاحتواء خلافاتهما، في وقت تبدو فيه سياسة الردع وتثبيت المواقف السيادية أكثر حضوراً في المشهد.

كما يضع هذا التصعيد الولايات المتحدة والدول الأوروبية أمام تحديات إضافية، في ظل حرصها على الحفاظ على علاقاتها مع البلدين، رغم اختلاف مواقفها ومستويات دعمها لكل من أنقرة وأثينا.

بحر إيجه يعيد الخلاف إلى الواجهة

بدأت الجولة الأخيرة من التوتر مع تصريحات لرئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال زيارة جزيرة كاستيلوريزو القريبة من الساحل التركي.

وأكد ميتسوتاكيس أن بلاده تتمسك بالحوار، لكنها لن تقبل ما تعتبره تهديداً لسيادتها أو مساساً بحقوقها، في رسالة حملت أبعاداً سياسية وأمنية في ظل الخلافات المستمرة حول بحر إيجه.

وتثير مثل هذه التصريحات، إلى جانب الزيارات الرسمية اليونانية للجزر القريبة من الساحل التركي، حساسية لدى أنقرة، خصوصاً عندما تتضمن إشارات تتعلق بالوجود العسكري أو بالحقوق السيادية.

وتعود جذور الخلافات البحرية بين البلدين إلى قضايا متعددة، من بينها الحدود والمياه الإقليمية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة، إضافة إلى حقوق التنقيب عن موارد الطاقة والوضع العسكري لبعض الجزر.

التاريخ يدخل على خط التوتر

وخلال أقل من 48 ساعة، انتقل السجال بين أنقرة وأثينا من الملفات البحرية إلى الذاكرة التاريخية، بعد تبادل المواقف بشأن إحياء اليونان ذكرى أحداث وقعت في منطقة آسيا الصغرى قبل نحو قرن.

وتتبنى أثينا رواية تعتبر ما جرى آنذاك اقتلاعاً لليونانيين من مناطق كانت تضم وجوداً يونانياً لقرون، بينما تنظر أنقرة إلى تلك المرحلة من زاوية مختلفة، وتربطها بمحاولة اليونان التقدم داخل الأناضول واحتلال أجزاء منه خلال الحرب اليونانية التركية.

وأحيت اليونان مناسبة وطنية مرتبطة بذكرى ما تصفه بـ”إبادة اليونانيين في آسيا الصغرى”، مؤكدة أن السكان اليونانيين تعرضوا للاقتلاع من مناطق وجودهم التاريخي.

ورفضت تركيا هذه الرواية، معتبرة أن توصيف الأحداث بهذه الطريقة لا يستند إلى أساس، ودعت المسؤولين اليونانيين إلى التعامل مع الملف التاريخي بقدر أكبر من الجدية والواقعية.

الردع لا يلغي الحوار

وتكشف الجولة الأخيرة من التصعيد عن اتساع نطاق الخلافات بين البلدين، التي لا تقتصر على الحدود البحرية وحقوق التنقيب والطاقة، بل تشمل أيضاً الجزر وقبرص والملفات المرتبطة بالتاريخ والذاكرة الوطنية.

ورغم حدة المواقف المتبادلة، لا تزال قنوات الحوار قائمة بين أنقرة وأثينا، لكن من دون تحقيق تسوية نهائية للقضايا الأكثر تعقيداً.

ويبدو أن كلا البلدين يسعى في الوقت نفسه إلى تثبيت مواقفه ومنع الطرف الآخر من فرض ترتيبات جديدة في الملفات محل النزاع، وهو ما يجعل أي تحرك سياسي أو أمني قابلاً لأن يتحول إلى رسالة ردع متبادلة.

كما ترتبط حسابات الطرفين بالتغيرات الأوسع في البيئة الدولية، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتزايد أهمية الدول الإقليمية في رسم التوازنات الأمنية والسياسية.

خلافات ممتدة بلا تسوية نهائية

تعود الخلافات التركية اليونانية إلى عقود طويلة، وظلت قائمة رغم عضوية البلدين في حلف شمال الأطلسي، الذي لعب دوراً في احتواء التوترات ومنع تحولها إلى مواجهة مباشرة.

وتشمل الملفات العالقة تحديد الحدود البحرية، والجرف القاري، والمياه الإقليمية، ووضع بعض الجزر، وحقوق التنقيب عن الطاقة، إضافة إلى القضية القبرصية التي تمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات بين البلدين.

ورغم عدم التوصل إلى حلول نهائية، تمكنت أنقرة وأثينا في مراحل مختلفة من إبقاء الخلافات ضمن إطار سياسي ودبلوماسي، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

لكن ارتفاع حدة التنافس حول المناطق البحرية وحقوق استغلال الموارد يجعل هامش المناورة أكثر ضيقاً، خصوصاً مع اعتبار كل خطوة ميدانية أو بحرية مؤشراً على محاولة تثبيت واقع جديد.

اختبار جديد لمسار العلاقة

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقة بين تركيا واليونان تقف أمام اختبار جديد، بين مسار الحوار الذي أبقى الخلافات تحت السيطرة خلال السنوات الماضية، وسياسة الردع التي تفرض نفسها كلما تصاعد التنافس حول الملفات السيادية.

وفي ظل استمرار القضايا العالقة، تبدو قدرة أنقرة وأثينا على الفصل بين الخلافات السياسية والتاريخية من جهة، والحفاظ على قنوات الاتصال من جهة أخرى، عاملاً أساسياً في منع التوتر من التحول إلى أزمة أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى