أخبــارنبض الساعةنبض خاصهيدلاينز

أزمة البنزين تتفاقم.. هل تنجح الحكومة في احتواء الشارع؟

وضعت الاحتجاجات الرافضة لرفع أسعار البنزين والمشتقات النفطية الحكومة السورية أمام أول اختبار اقتصادي واسع منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، في ظل أوضاع معيشية صعبة وتراجع القدرة الشرائية واتساع الضغوط على الأسر السورية.

وامتدت الاحتجاجات خلال الأيام الماضية إلى مناطق مختلفة من البلاد، عقب قرار رفع أسعار عدد من المشتقات النفطية، لتتحول أزمة الوقود سريعاً إلى قضية معيشية تتجاوز تكلفة تعبئة السيارات، نظراً إلى ارتباط أسعار المحروقات بكلفة النقل وأسعار المواد الغذائية والخدمات ومختلف القطاعات الاقتصادية.

ويأتي التصعيد في وقت تحاول فيه الحكومة الجديدة إعادة ترتيب الاقتصاد السوري بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي، فيما لا تزال البلاد تواجه تحديات كبيرة تتعلق بتأمين الموارد، وإعادة تشغيل قطاعات الإنتاج، وإصلاح البنية التحتية، وتحسين مستوى دخل المواطنين.

غضب متراكم لا يبدأ من محطات الوقود

رغم أن قرار رفع أسعار المشتقات النفطية كان الشرارة المباشرة للاحتجاجات، فإن حجم التحركات واتساعها يعكسان، وفق قراءات اقتصادية وسياسية، حالة من الاستياء المتراكمة بسبب الظروف المعيشية.

وتواجه شريحة واسعة من السوريين فجوة متزايدة بين الدخول وتكاليف الحياة، في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية. كما أن أي زيادة في أسعار الوقود تنعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، ما يجعل آثارها تمتد إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وكانت زيادات الرواتب التي أقرتها السلطات خلال الفترة الماضية تهدف إلى تحسين القدرة الشرائية، إلا أن تأثيرها بقي محدوداً بالنسبة إلى كثير من الأسر، مع استمرار ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

وتزداد حساسية الوضع مع استمرار معدلات الفقر المرتفعة، وضعف فرص العمل، وتراجع النشاط الاقتصادي في العديد من المناطق، ما يجعل أي قرار يتعلق بالأسعار عرضة لانعكاسات اجتماعية مباشرة.

من إدلب إلى الحسكة.. الاحتجاجات تتسع

بدأت التحركات الاحتجاجية من معرة النعمان في محافظة إدلب شمال غربي البلاد، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى، بينها بلدات في الحسكة شمال شرقي سوريا، إضافة إلى الأتارب وأعزاز وخان شيخون وباب السلامة ومناطق أخرى.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنسبة إلى الحكومة لأنها لم تقتصر على منطقة جغرافية واحدة، كما أنها ظهرت في مناطق مختلفة من البلاد، بما فيها مناطق تُعد من البيئات المؤيدة للسلطات الحالية.

ويرفع ذلك من حساسية الملف بالنسبة إلى الحكومة، إذ لا يتعلق الأمر فقط باحتجاجات على قرار اقتصادي محدد، بل باختبار قدرة السلطة الجديدة على إدارة الملفات المعيشية واحتواء تداعيات القرارات الاقتصادية في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.

لماذا رفعت الحكومة أسعار الوقود؟

تقول وزارة الطاقة إن تعديل الأسعار جاء في ظل ظروف استثنائية مرتبطة بأسواق الطاقة العالمية وارتفاع تكلفة تأمين المشتقات النفطية.

وتعتمد سوريا بدرجة كبيرة على استيراد المشتقات النفطية لتلبية احتياجات السوق المحلية، وهو ما يجعل أسعار الوقود مرتبطة بتكاليف الاستيراد والأسعار العالمية وتوافر الموارد اللازمة لتمويل هذه العمليات.

وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام مشكلة صعبة: إبقاء أسعار الوقود منخفضة يخفف الضغط عن المواطنين، لكنه يرفع تكلفة الدعم ويزيد الأعباء المالية على الدولة، بينما يؤدي رفع الأسعار إلى تخفيف جزء من الضغط المالي، لكنه ينعكس مباشرة على المستهلكين والقطاعات الاقتصادية.

ومن هنا، لا تبدو أزمة الوقود منفصلة عن الوضع المالي العام، بل ترتبط بقدرة الحكومة على توفير مصادر مستقرة للطاقة وتمويل الواردات، بالتوازي مع محاولة إعادة تشغيل الاقتصاد المحلي.

«شر لا بد منه».. لكن المواطن يدفع الثمن

ترى تقديرات اقتصادية أن رفع أسعار المشتقات النفطية قد يكون مرتبطاً بصعوبة تأمين الواردات وارتفاع تكلفتها، إلا أن ذلك لا يلغي التداعيات المباشرة على حياة المواطنين.

فالوقود يمثل مدخلاً أساسياً في تكاليف النقل، كما يدخل بصورة غير مباشرة في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، نتيجة انتقال الزيادة من مرحلة الإنتاج إلى النقل والتوزيع ثم إلى المستهلك النهائي.

ومن المتوقع أن تكون الفئات ذات الدخل المحدود الأكثر تأثراً بهذه الزيادات، خصوصاً في ظل ضعف قدرتها على امتصاص أي ارتفاع جديد في الأسعار.

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تتزامن زيادة أسعار المحروقات مع ارتفاع تكاليف الكهرباء والغذاء والخدمات، إذ يمكن أن تتحول الزيادة في بند واحد إلى موجة أوسع من ارتفاع تكاليف المعيشة.

أكثر من 40 مليار دولار.. لماذا لم يصل أثر الاستثمارات إلى الشارع؟

تأتي الاحتجاجات أيضاً في مرحلة حاولت خلالها دمشق جذب الاستثمارات وإعادة فتح الاقتصاد أمام مشاريع جديدة.

وكانت السلطات قد أعلنت عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم اقتصادية واستثمارية تجاوزت قيمتها الإجمالية 40 مليار دولار، في إطار مساعيها لإعادة بناء الاقتصاد واستقطاب رؤوس الأموال بعد سنوات من الحرب.

لكن الاتفاقيات والإعلانات الاستثمارية لا تعني بالضرورة تدفق الأموال فوراً إلى الأسواق أو خلق فرص عمل على نطاق واسع، إذ تحتاج المشاريع إلى وقت حتى تدخل مرحلة التنفيذ والإنتاج وتنعكس آثارها على النشاط الاقتصادي.

وهنا تظهر واحدة من أبرز التحديات أمام الحكومة: تحويل الانفتاح الاقتصادي والاستثمارات المعلنة إلى نشاط فعلي ينعكس على حياة المواطنين من خلال فرص العمل وزيادة الإنتاج وتحسين الخدمات والدخل.

النفط والغاز.. مورد استراتيجي في مرحلة إعادة البناء

يمثل قطاع الطاقة أحد الملفات الأكثر أهمية في عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري، نظراً إلى دوره في تأمين احتياجات السوق المحلية وتوفير الموارد اللازمة للخزينة.

وتسيطر دمشق حالياً على حقول النفط والغاز في البلاد، بعد بسط سيطرتها خلال العام الحالي على مناطق في شمال سوريا وشمال شرقها كانت خاضعة سابقاً لقوات سوريا الديمقراطية.

ويمثل استعادة السيطرة على هذه الموارد فرصة لتحسين وضع الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد، لكن الاستفادة الاقتصادية الكاملة منها تحتاج إلى إعادة تأهيل الحقول والمنشآت وخطوط النقل والإنتاج، إضافة إلى توفير الاستثمارات والتقنيات اللازمة.

وبالتالي، فإن امتلاك الموارد النفطية لا يعني تلقائياً حل أزمة الوقود، خصوصاً إذا كانت البنية التحتية والإنتاجية بحاجة إلى إعادة تأهيل أو إذا كانت المصافي وشبكات التوزيع غير قادرة على تلبية الطلب المحلي.

أول اختبار اقتصادي للحكومة

تكشف أزمة البنزين عن التحدي الأوسع الذي تواجهه الحكومة السورية في المرحلة المقبلة: كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والقدرة المحدودة للمواطنين على تحمل تكاليفه.

فرفع الدعم أو تعديل الأسعار قد يكون ضرورياً في بعض الحالات لضبط المالية العامة، لكنه يصبح شديد الحساسية عندما يتم في اقتصاد يعاني من انخفاض الدخول وارتفاع معدلات الفقر وضعف فرص العمل.

وفي المقابل، فإن إبقاء الأسعار منخفضة بصورة مصطنعة من دون موارد مالية كافية قد يؤدي إلى أزمات في تأمين الوقود أو زيادة العجز المالي.

لذلك، لا يرتبط نجاح الحكومة في تجاوز أزمة الوقود بقرار الأسعار وحده، وإنما بقدرتها على بناء سياسة اقتصادية متكاملة تشمل زيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين الدخول، وضبط الأسواق، وتأمين الطاقة، وتحويل الاستثمارات المعلنة إلى مشاريع فعلية.

ومع استمرار الاحتجاجات، تتحول أزمة البنزين إلى اختبار مبكر لقدرة الحكومة على إدارة التوازن الصعب بين الإصلاح الاقتصادي والواقع المعيشي، وبين الحاجة إلى موارد مالية جديدة والقدرة المحدودة للمواطن السوري على تحمل المزيد من الأعباء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى