بين التحذير والتصعيد.. ماذا تنتظر إسرائيل من طهران؟

تراقب إسرائيل التطورات السياسية والاقتصادية داخل إيران عن كثب، وسط تصاعد الحديث في الأوساط الإسرائيلية عن الضغوط التي تواجهها الحكومة الإيرانية، واحتمال أن تؤدي الأوضاع الاقتصادية والعسكرية إلى زيادة التوتر الداخلي.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تقارير عن استئناف إيران إنتاج الصواريخ الباليستية بكميات محدودة، باستخدام مكونات ومرافق متبقية بعد الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصاروخية خلال الحرب. وتشير تقارير حديثة إلى أن عمليات التجميع تجري في منشآت تحت الأرض، في محاولة للحفاظ على جزء من القدرات الصاروخية رغم القيود المفروضة على طهران.
في المقابل، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن تل أبيب لا تسعى في المرحلة الحالية إلى توجيه ضربة جديدة إلى إيران ما لم تتعرض لهجوم مباشر، مع إبقاء قواتها في حالة استعداد تحسباً لأي تطور.
وقال مسؤول إسرائيلي، بحسب تقرير إعلامي إسرائيلي، إن أي خطأ في مسار صاروخ إيراني يمكن أن يؤدي إلى سقوطه داخل إسرائيل قد يشكل شرارة لجولة جديدة من المواجهة. ويعكس هذا التصريح مستوى الحساسية الذي تتعامل به إسرائيل مع النشاط الصاروخي الإيراني في ظل استمرار التوتر بين الطرفين.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس قد أعلنا خلال الأيام الماضية أن إسرائيل سترد على أي هجوم إيراني، فيما ذهب كاتس إلى التهديد باستهداف البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك منشآت الطاقة، في حال تعرض إسرائيل لهجوم.
الضغوط الاقتصادية في الواجهة
وتشكل الأزمة الاقتصادية أحد أبرز العوامل التي تستند إليها التقديرات الإسرائيلية والأمريكية بشأن مستقبل الوضع الداخلي في إيران.
فقد أدت العقوبات الأمريكية، إلى جانب القيود المفروضة على صادرات النفط والحصار البحري، إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني. وتشير تقارير حديثة إلى تراجع صادرات النفط، ونقص العملات الأجنبية، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الريال، فضلاً عن أزمة في إمدادات الوقود.
كما بدأت الحكومة الإيرانية اتخاذ إجراءات للتعامل مع أزمة الوقود، من بينها رفع أسعار البنزين خارج الحصة المدعومة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً على الإنتاج والتوزيع. وتحذر تقديرات اقتصادية من أن استمرار هذه الأوضاع قد يزيد الاستياء الشعبي، خصوصاً إذا ترافقت مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي المقابل، لا يعني تدهور الوضع الاقتصادي بالضرورة قرب انهيار النظام السياسي. فقد أكدت السلطات الإيرانية في مناسبات عدة أن الضغوط الاقتصادية لن تدفعها إلى تغيير سياساتها، فيما دعا الرئيس مسعود بزشكيان إلى تعزيز الوحدة الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية.
واشنطن تراهن على الضغط الاقتصادي
وتتبنى الإدارة الأمريكية سياسة ضغط اقتصادي متصاعدة تجاه طهران، تشمل العقوبات على قطاعات النفط والشحن والتمويل، إلى جانب إجراءات تستهدف الجهات التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات.
وفي أحدث خطواتها، أعلنت واشنطن عن عقوبات إضافية تستهدف مؤسسة مالية كبيرة، في إطار حملة اقتصادية تهدف إلى زيادة تكلفة التعامل مع الحكومة الإيرانية.
وترى الإدارة الأمريكية أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يدفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفات عدة، بينها النشاط الصاروخي والملف النووي والملاحة في مضيق هرمز.
لكن قدرة هذه السياسة على إحداث تغيير سياسي داخل إيران تبقى موضع خلاف. فالأزمة الاقتصادية قد تزيد الضغوط على الحكومة، لكنها قد تدفع أيضاً إلى تشديد الإجراءات الأمنية وتعزيز دور المؤسسات العسكرية، بدلاً من التوصل مباشرة إلى تغيير في بنية النظام.
حديث إسرائيلي عن تغيير النظام
وفي إسرائيل، تجاوزت التصريحات المتعلقة بإيران مسألة احتواء قدراتها العسكرية إلى الحديث بشكل مباشر عن مستقبل النظام السياسي في طهران.
وقال نتنياهو في تصريحات حديثة إن إسرائيل تعمل على إسقاط الحكومة الإيرانية، فيما وصف تغيير النظام بأنه أحد الأهداف الرئيسية للمرحلة الحالية.
كما تحدث مسؤولون إسرائيليون عن احتمال أن يؤدي استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى إضعاف النظام من الداخل، إلا أن هذه التقديرات تعكس موقفاً سياسياً وأمنياً إسرائيلياً ولا تشكل دليلاً بحد ذاته على قرب حدوث تغيير سياسي في إيران.
وتزداد أهمية هذه التصريحات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى توحيد معسكر اليمين وسط تراجع في شعبية ائتلافه وفق استطلاعات رأي حديثة.
إيران تعيد بناء جزء من قدراتها الصاروخية
وفي الجانب العسكري، تشير التقارير إلى أن إيران بدأت بالفعل إعادة تشغيل جزء من قدرتها على إنتاج الصواريخ الباليستية، وإن كان بوتيرة محدودة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
وبحسب تقارير حديثة، تعتمد طهران على مكونات مخزنة ومنشآت تحت الأرض لإعادة عمليات التجميع، بينما تفرض الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقيود على استيراد المكونات تحديات كبيرة أمام توسيع الإنتاج.
ويعني ذلك أن البرنامج الصاروخي الإيراني لم يتوقف بالكامل، لكنه يواجه قيوداً كبيرة، في وقت تحاول فيه إسرائيل والولايات المتحدة منع طهران من إعادة بناء قدراتها العسكرية السابقة.
سيناريوهات مفتوحة
وتشير المعطيات الحالية إلى أن المشهد الإيراني لا يزال مفتوحاً على عدة احتمالات، تتراوح بين استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية، والعودة إلى مسار تفاوضي، أو تصاعد المواجهة مجدداً في حال وقوع هجوم مباشر.
كما أن الحديث عن «سقوط النظام» يبقى في إطار التقديرات والتصريحات السياسية، ولا توجد مؤشرات مؤكدة تسمح بالجزم بأن تغييراً سياسياً وشيكاً سيحدث في إيران.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الأزمة الاقتصادية، وتراجع قيمة العملة، ونقص الوقود، والضغط على صادرات النفط، إلى جانب استمرار إعادة بناء القدرات العسكرية، قد يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية بالنسبة للحكومة الإيرانية.
أما الرهان الإسرائيلي على تحول إيران بعد تغيير النظام إلى دولة صديقة، فقد عبّر عنه مسؤولون إسرائيليون سابقون وحاليون، من بينهم الوزير السابق رون ديرمر، الذي تحدث عن إمكانية إقامة علاقات وثيقة بين إسرائيل وإيران في حال تغير النظام.
غير أن هذا السيناريو يظل افتراضياً، إذ يرتبط بمسار سياسي داخلي معقد لا يمكن التنبؤ بنتيجته، كما أن مستقبل العلاقات بين إيران وإسرائيل سيعتمد في حال حدوث أي تحول سياسي على طبيعة السلطة الجديدة ومواقفها تجاه القضايا الإقليمية والدولية.




