شهباز شريف في بكين.. تحرك إقليمي لإنجاح اتفاق واشنطن وطهران

برزت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى الصين كجزء من حراك دبلوماسي إقليمي متسارع تقوده إسلام آباد بالتنسيق مع بكين، لإنجاح الاتفاق بين واشنطن وطهران.
ووصل شريف أمس إلى مدينة هانغتشو الصينية، برفقة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين، في زيارة تتزامن مع الذكرى الخامسة والسبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وتتضمن الزيارة لقاءات بين شريف والرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى جانب جلسات محادثات مع رئيس مجلس الدولة لي تشيانغ، في وقت أكدت فيه الخارجية الصينية أن المباحثات تشمل ملفات التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تطورات الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، كشف طاهر أندرابي المتحدث باسم الخارجية الباكستانية، عن صياغة مبادرة مشتركة من خمسة بنود بين إسلام آباد وبكين لدفع مسار التسوية بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أن الصين تدعم جهود الوساطة التي تقودها باكستان.
وأوضح أن بلاده تتعامل مع الملف باعتبارها “دولة وساطة”، لذلك لا تعلن تفاصيل الاتصالات الجارية، مشيراً إلى أن إسلام آباد لم تتلقَّ أي طلب يتعلق باستخدام الأراضي أو المجال الجوي الباكستاني من قبل القوات الأمريكية.
وأضاف أندرابي أن القيادة الباكستانية تعتبر التوصل إلى تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران أولوية مرتبطة باستقرار المنطقة، موضحاً أن الجهود الدبلوماسية الحالية تُدار بتوجيه مباشر من رئيس الوزراء شهباز شريف وبالتنسيق مع عدة أطراف إقليمية ودولية.
وأكد جوو جياكون المتحدث باسم الخارجية الصينية، من جهته، دعم بكين لما وصفه بـ”الوساطة العادلة والمتوازنة” التي تضطلع بها باكستان، فيما تحدث مستشار الخارجية الصينية وو شينبو عن تحركات صينية مرتبطة بأزمة إغلاق مضيق هرمز.
وتزامنت زيارة شريف إلى بكين مع وصول قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير إلى طهران، في وقت عقد فيه وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي اجتماعاً مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبحث مقترحات تتعلق بخفض التوترات.
وفي السياق، أكد ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، أن باكستان لا تزال الطرف الرئيسي في المحادثات المرتبطة بالملف الإيراني، بينما شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على استمرار دور إسلام آباد في الوساطة، مشيدًا برئيس الوزراء شهباز شريف ورئيس الأركان الباكستاني عاصم منير.
وبين الاجتماعات السياسية في بكين والتحركات المتزامنة في طهران والاتصالات المستمرة مع واشنطن، يبقى السؤال الأبرز هل تنجح التحركات الباكستانية الصينية وتحديداً الزيارة الباكستانية الحالية في منح إسلام آباد دوراً في الاتصالات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران؟
في البداية، أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو الدكتور نزار بوش، أن العلاقات الصينية الباكستانية تُعد من أكثر العلاقات متانة على المستويين العسكري والاقتصادي والتجاري، مشيرًا إلى أن الصين دعمت باكستان خلال النزاع الذي اندلع بينها وبين الهند، ولا تزال تزوّدها بمنظومات الدفاع الجوي والأسلحة الحديثة.
وفي حديث لـ”إرم نيوز”، قال إن زيارة رئيس الوزراء الباكستاني إلى الصين تأتي في إطار العلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين الجارين، لافتاً إلى أن الهند تمثل خصماً مشتركاً لكل من بكين وإسلام آباد، في ظل النزاعات الحدودية المستمرة بين الصين والهند والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة اشتباكات أوقعت قتلى من الجانبين.
وأضاف، أن هذه التحديات الإقليمية عززت من علاقات الشراكة والتعاون بين الصين وباكستان، خاصة أن باكستان تُعد دولة نووية، وهو ما يمنحها ثقلاً إضافياً إلى جانب قدراتها الاقتصادية والعسكرية والبشرية.
وأشار بوش إلى أن هناك مشاورات دائمة بين باكستان والصين بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية، خاصة أن إسلام آباد تلعب أيضاً دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة في محاولة لحل النزاع القائم بينهما، نظرًا لما تتمتع به من علاقات جيدة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران والصين وروسيا.
وأكد أن باكستان تبدو مؤهلة للقيام بدور مهم في جهود التهدئة ووقف إطلاق النار وصولاً إلى اتفاق دائم لحل الخلافات بين واشنطن وطهران، مشيرًا إلى أن زيارة رئيس الوزراء الباكستاني إلى الصين قد تسهم كذلك في تعزيز العلاقات الثنائية، لا سيما في المجال العسكري، إلى جانب بحث سبل توسيع الدعم والتعاون العسكري الصيني مع باكستان في ظل استمرار التوتر مع الهند.
وشدد على أن الموقع الجغرافي لباكستان وعلاقاتها مع إيران والصين وروسيا ودول الخليج العربي يمنحها قدرة أكبر على لعب دور محوري في حل النزاعات الإقليمية داخل القارة الآسيوية.
من جهته، أوضح أستاذ العلاقات الدولية الدكتور رامي عاشور، أن باكستان تمارس ضغوطاً على إيران من أجل تقديم بعض التنازلات التي تسمح بخلق أرضية مشتركة مع الولايات المتحدة يمكن البناء عليها للوصول إلى تسوية سياسية للأزمة، وفي المقابل تسعى إلى إشراك الصين في هذا المسار باعتبارها الطرف القادر على ممارسة ضغط فعلي على واشنطن لدفعها نحو تبني مواقف أكثر مرونة تجاه الشروط الإيرانية.
وأضاف أن التنسيق بين باكستان وإيران والصين يبدو واضحاً من خلال تقارب توقيتات الزيارات والتحركات السياسية، مؤكداً أن هذه التحركات تهدف إلى منع اندلاع مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة، وأن الصين تمثل بالنسبة لباكستان الضامن الأهم لإمكانية الوصول إلى اتفاق سلمي يجنّب المنطقة سيناريو الحرب.




