أخبــاربلاد الجواربلاد المهجر

ألمانيا.. انقسام بين الحكومة والاستخبارات حول تهديدات إيران

تشهد ألمانيا تصاعداً في التوتر بين الحكومة وأجهزة الاستخبارات بشأن تقييم مستوى التهديدات المرتبطة بإيران داخل البلاد، في ظل تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد طهران وتزايد المخاوف من امتدادها إلى الساحة الأوروبية.

ففي الوقت الذي تحاول فيه القيادة السياسية تهدئة المخاوف العامة والتعامل بحذر مع الملف، ترى أجهزة الأمن أن التهديدات باتت أكثر جدية، لا سيما مع الحديث عن احتمال تنفيذ ما يُعرف بـ“الهجمات الهجينة” عبر شبكات مرتبطة بإيران داخل أوروبا.

ويبرز هذا التباين بشكل واضح بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الداخلية ألكسندر دوبريندت من جهة، وبين مسؤولي الاستخبارات الفيدرالية والإقليمية من جهة أخرى. فبينما يميل الخطاب الحكومي إلى اعتبار المخاطر الحالية “محدودة أو افتراضية”، تؤكد التقديرات الأمنية أن الحرب الأخيرة رفعت احتمالات وقوع عمليات داخل ألمانيا إلى مستوى أكثر واقعية.

وبحسب معلومات متداولة داخل الأوساط الأمنية، فإن مسؤولي الاستخبارات يرون أن طبيعة التهديد تغيّرت خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على نشاط شبكات غير مباشرة يمكن استخدامها لتنفيذ عمليات تخريبية أو أمنية دون ارتباط مباشر وواضح بطهران.

وتشير تقديرات أمنية إلى أن إيران قد تعتمد بشكل أكبر على أسلوب “الهجمات بالوكالة”، من خلال الاستفادة من وسطاء محليين أو مجموعات إجرامية لتنفيذ عمليات داخل أوروبا، وهي مقاربة تقول الأجهزة الأمنية إنها تشبه أساليب سبق أن استُخدمت في صراعات دولية أخرى.

كما تتحدث التحقيقات عن وجود عشرات القضايا والمخططات التي خضعت للمتابعة خلال السنوات الماضية داخل ألمانيا، يُشتبه في ارتباط بعضها بشبكات مدعومة من إيران، سواء عبر عمليات مراقبة أو تحركات تستهدف مصالح محددة.

وتخشى السلطات الأمنية من أن تشمل الأهداف المحتملة مؤسسات يهودية وأميركية داخل ألمانيا، ما دفع الأجهزة المختصة إلى تشديد الحماية الأمنية حول عدد من المواقع الحساسة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وفي الأشهر الأخيرة، شهدت ألمانيا حوادث أمنية أثارت اهتمام المحققين، بينها هجوم استهدف مطعماً إسرائيلياً في ميونيخ، حيث تعرض المكان لأعمال تخريب وإلقاء مواد متفجرة بدائية من دون تسجيل إصابات. ولا تزال التحقيقات جارية بشأن الجهات المحتملة التي تقف خلف الحادث.

كما تحدثت تقارير أمنية عن نشاط جماعات متشددة أعلنت مسؤوليتها عن هجمات أو محاولات استهداف في عدد من الدول الأوروبية، ما زاد المخاوف من اتساع دائرة العمليات العابرة للحدود.

وفي سياق متصل، تتابع أجهزة الأمن الألمانية أيضاً ملف مراقبة المعارضين الإيرانيين المقيمين في البلاد، وسط اتهامات بوجود محاولات لملاحقة أو الضغط على بعض الناشطين عبر تهديدات غير مباشرة تتعلق بعائلاتهم داخل إيران.

ورغم تزايد التحذيرات الأمنية، لا تزال الحكومة الألمانية تتجنب رفع مستوى الإنذار الرسمي، مكتفية بالإشارة إلى وجود “مؤشرات مقلقة” تستوجب المتابعة. ويرى مراقبون أن برلين تحاول الموازنة بين عدم إثارة الذعر داخل المجتمع وبين الحفاظ على الجاهزية الأمنية.

في المقابل، تعتقد أجهزة الاستخبارات أن غياب خطاب سياسي واضح بشأن حجم المخاطر قد يؤدي إلى ضعف الوعي العام، ويخلق فجوة بين التقديرات الأمنية والتعامل السياسي مع الملف.

ومع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، تبدو ألمانيا أمام تحدٍّ متزايد يتمثل في كيفية التعامل مع تهديدات أمنية عابرة للحدود، تعتمد على شبكات معقدة وأساليب غير تقليدية، في وقت تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الاعتبارات السياسية والدبلوماسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى