معمل دريكيش: استثمار أم خصخصة مقنّعة لثروة مائية؟
خاص – نبض الشام
جدل يتجاوز منشأة واحدة
أعاد قرار طرح معمل تعبئة مياه نبع الدريكيش في محافظة طرطوس للاستثمار فتح نقاش واسع حول مستقبل الأصول العامة في سوريا، وسط تناقض واضح بين خطاب رسمي يتحدث عن التحديث وجذب الاستثمارات، ورؤى اقتصادية تحذر من تحول الخطوة إلى نقل طويل الأمد لثروة طبيعية إلى القطاع الخاص تحت مسمى التطوير.
طرح استثماري بشروط طويلة
أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، عبر الشركة العامة للصناعات الغذائية، عن فرصة استثمارية لتأهيل وتطوير وتشغيل المعمل وفق نظام عروض محلية ودولية.
وتشمل الشروط منح المستثمر حق التشغيل لمدة 25 عاماً، مقابل تنفيذ أعمال التحديث خلال 12 شهراً، في منشأة تمتد على مساحة تزيد عن 392 ألف متر مربع.
وهنا يبرز أول تناقض: فترة تنفيذ قصيرة مقابل مدة استثمار طويلة، ما يطرح تساؤلات حول التوازن بين كلفة التأهيل والعائد المتوقع.
رواية رسمية: تحديث وتعزيز تنافسية
تؤكد الجهات الرسمية أن الخطوة تهدف إلى رفع كفاءة الإنتاج، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع القدرة التنافسية للمنتج السوري، إلى جانب إدخال التكنولوجيا الحديثة وتأهيل الكوادر.
لكن هذا الطرح يصطدم بتساؤلات حول مدى حاجة قطاع مثل تعبئة المياه إلى نقل استثماري طويل لتحقيق هذه الأهداف.
قطاع بسيط لا يحتاج خصخصة
يرى خبراء الاقتصاد أن صناعة تعبئة المياه لا تنطوي على تعقيد تقني مرتفع، ما يضعف مبررات إخراجها من إدارة القطاع العام.
كما يشيرون إلى أن الرقابة في هذا النوع من الإنتاج سهلة نسبياً، إذ يمكن مطابقة عدد العبوات الداخلة مع المباعة، ما يقلل من حجج ضعف الإدارة أو صعوبة الضبط. وهنا يظهر تناقض آخر: قطاع سهل الإدارة يُطرح للاستثمار طويل الأمد بدل إصلاحه داخلياً.
عائد طويل… وخسارة فورية
يؤكد خبراء الاقتصاد أن منح عقد استثمار يمتد لـ25 عاماً يعني عملياً تحويل عوائد مورد طبيعي إلى القطاع الخاص لفترة طويلة، رغم إمكانية تحديث المعمل بتكلفة أقل بكثير من العائد المتوقع. وبحسب هذه القراءة، فإن الدولة قد تخسر إيرادات مباشرة لسنوات طويلة مقابل تحسينات يمكن تحقيقها بموارد أقل.
منشأة قائمة أم أصل متعثر؟
تتمثل إحدى أبرز نقاط التناقض في توصيف المعمل نفسه:
الرواية الرسمية توحي بالحاجة إلى تطوير شامل، بينما يشير خبراء إلى أن المعمل كان منتجاً وحاضراً في السوق.
هذا التباين يثير تساؤلات حول ما إذا كان القرار يستند إلى واقع إنتاجي فعلي أم إلى توجهات اقتصادية أوسع.
إشكالية المدة: استثمار أم تفويض؟
يرى الخبراء أن مدة 25 عاماً تتجاوز مفهوم الشراكة إلى ما يشبه نقل السيطرة الفعلية على المورد. ويشيرون إلى أن العقود القصيرة (نحو 3 سنوات) كانت ستوفر نموذجاً أكثر توازناً بين الاستفادة من القطاع الخاص والحفاظ على الملكية العامة.
استهلاك الأصول مقابل نقل الإيرادات
من زاوية أخرى، يلفت الخبراء إلى أن تحديث الآلات اليوم يعني أنها قد تصبح شبه مستهلكة مع نهاية فترة الاستثمار، في حين تكون الخزينة قد فقدت عوائدها طوال مدة العقد. وهنا يتجسد تناقض إضافي: الأصول تعود للدولة مستهلكة، بينما العوائد ذهبت لسنوات طويلة.
بدائل غير مطروحة
يرى أخصائيون أن الحكومة كان بإمكانها اعتماد نماذج بديلة، مثل التشغيل أو الإدارة المشتركة أو التحديث دون نقل حق الاستثمار، بما يحافظ على الإيرادات العامة. غير أن هذه الخيارات لم تُطرح بوضوح، ما يعزز الشكوك حول طبيعة التوجه الاقتصادي.
ثروة طبيعية أم مشروع تجاري؟
يشدد الخبراء على أن المعمل ليس مجرد منشأة صناعية، بل جزء من ثروة مائية وطنية، ما يرفع حساسية القرار. ويحذرون من أن تحويله إلى استثمار طويل الأمد قد يشبه منح امتياز خاص على مورد سيادي، بما يحمله ذلك من أبعاد اقتصادية وسياسية.
صراع السرديات الاقتصادية
في المحصلة، يعكس ملف معمل دريكيش تناقضاً أوسع في إدارة الأصول العامة: بين خطاب رسمي يقدّم الاستثمار كأداة للتحديث، ورؤية نقدية تعتبره مساراً تدريجياً نحو الخصخصة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تمثل هذه الخطوة نموذجاً لإعادة تنشيط الاقتصاد، أم بداية لتحول أعمق في ملكية الموارد العامة؟ الإجابة لا تتعلق بمعمل واحد فقط، بل بمسار اقتصادي كامل يتشكل في ظل ضغوط مالية وتحديات إعادة الإعمار.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




