من الظل إلى العلن: تحالف موسكو وبيونغ يانغ يشعل جبهة أوكرانيا
خاص – نبض الشام
انتقلت العلاقة بين روسيا وكوريا الشمالية من التنسيق السري إلى التحالف العلني، بعد تصريحات لافتة صدرت عن وزيرَي الدفاع في البلدين أكدت شراكة عسكرية متنامية في خضم الحرب الأوكرانية. هذا التطور المفصلي يعكس توجهاً جديداً في الصراع، ينذر بتحويله من مواجهة إقليمية إلى صراع دولي مفتوح.
من التنسيق السري إلى التحالف المعلن
شكّلت التصريحات المتبادلة بين وزيرَي الدفاع الروسي والكوري الشمالي نقطة تحول حاسمة في مسار العلاقة بين موسكو وبيونغ يانغ.
فقد أعلن وزير دفاع كوريا الشمالية أن “الشراكة مع روسيا شاملة وهادفة”، فيما شدد نظيره الروسي على أن “مشاركة كوريا الديمقراطية في تحرير كورسك تؤكد عمق التحالف بين البلدين”.
واعتبرت الأوساط السياسية أن هذه التصريحات هي الأوضح منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، إذ تشير إلى أن التعاون بين الجانبين تجاوز حدود الدعم اللوجستي والصفقات المحدودة، ليصل إلى مستوى المشاركة الفعلية في العمليات الميدانية داخل الأراضي الروسية.
توقيت حساس ورسائل متعددة
يأتي هذا التطور في لحظة حرجة بالنسبة لموسكو، التي تواجه ضغوطاً متزايدة على جبهات القتال، وسط مؤشرات متصاعدة على الإرهاق العسكري والاقتصادي بعد أكثر من عامين من الحرب.
ويرى مراقبون أن التحالف مع كوريا الشمالية لا يقتصر على البُعد العسكري، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أعمق، إذ تحاول روسيا من خلاله إثبات أنها ليست معزولة في مواجهة الغرب، بينما تسعى بيونغ يانغ إلى كسر العزلة الدولية المفروضة عليها وتعزيز حضورها في النظام العالمي الجديد.
“تطور خطير” يوسّع دائرة الصراع
وفي هذا السياق، وصف الأكاديمي والدبلوماسي المتخصص في شؤون أوروبا الشرقية، الدكتور ياسين رواشدي، مشاركة كوريا الشمالية الفعلية إلى جانب روسيا بأنها “تطور خطير ينقل الحرب من كونها أوروبية إلى صراع دولي أوسع”.
وأوضح رواشدي أن هذا الانخراط يعكس من جهة تراجع القدرات الروسية في صد الهجمات الأوكرانية المدعومة من الناتو، ومن جهة أخرى يؤكد أن الحرب لم تعد محصورة بين موسكو وكييف، بل تتجه لتصبح مواجهة بين حلفين متقابلين.
وأضاف أن دخول بيونغ يانغ على خط المواجهة سيحفّز واشنطن والدول الغربية على زيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، مشيراً إلى أن موسكو تسعى من خلال هذا التحالف إلى إيصال رسالة واضحة للغرب بأنها قادرة على استدعاء حلفاء من خارج أوروبا إذا اقتضت الضرورة.
موقف الصين الحذر
وأشار رواشدي إلى أن ابتعاد الصين النسبي عن هذا التحالف يعكس حرصها على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع أوروبا، نظراً لأهمية العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
وأوضح أن بكين تتعامل بحذر بالغ، فهي لا ترغب في التورط عسكرياً كما تفعل بيونغ يانغ حفاظاً على مصالحها التجارية مع الغرب، وهو ما يضعف من الادعاءات الروسية بوجود محور دولي موحّد، إذ تقدم كوريا الشمالية الدعم العسكري المباشر بينما تكتفي الصين بالدعم السياسي والاقتصادي.
مأزق عسكري روسي متصاعد
وأكد رواشدي أن طلب موسكو المساعدة من بيونغ يانغ يكشف عن عمق الأزمة التي تواجهها القوات الروسية في الجبهة الأوكرانية، مشيراً إلى أن انخراط كوريا الشمالية — رغم طابعه الرمزي — يسحب جزءاً من مصداقية موسكو حين تصف حربها بأنها “دفاعية ووطنية”.
ورجّح أن يؤدي دخول بيونغ يانغ إلى توسيع نطاق الحرب وإطالة أمدها، وربما تحويلها تدريجياً إلى “حرب عالمية مصغّرة” ما لم تتدخل القوى الكبرى للحد من التصعيد.
تحالف راسخ لا لبس فيه
من جانبه، أوضح الخبير في الشؤون الروسية الدكتور نبيل رشوان، أن التقارب بين موسكو وبيونغ يانغ لم يعد سراً، مشيراً إلى أن مشاركة قوات كورية شمالية في تحرير مقاطعة كورسك وتكريم عدد من ضباطها جعلا التحالف بين البلدين واقعاً علنياً ومؤسسياً.
وأضاف رشوان أن التعاون العسكري بين الجانبين بات مؤطراً باتفاقية شراكة استراتيجية تتضمن بنوداً للدفاع المشترك، وهو ما يعكس تحول العلاقة إلى مستوى غير مسبوق.
دعم متبادل وحدود صينية
وأوضح رشوان أن كوريا الشمالية تعتمد بدرجة كبيرة على روسيا وبكين بسبب العقوبات المفروضة عليها، غير أن الصين بدأت تُبدي تحفظاً على حجم التعاون العسكري بين الطرفين، خاصة بعد تسريبات عن نية بيونغ يانغ إرسال عشرة آلاف جندي وضابط إلى الجبهة الروسية، إضافة إلى مدفعية وذخائر وصواريخ استُخدمت فعلياً ضد أوكرانيا.
وأشار إلى أن هذه العلاقة ليست وليدة اللحظة، بل ممتدة منذ فترة، إذ تزود روسيا كوريا الشمالية بالطاقة والمواد الغذائية مقابل الدعم العسكري.
لكنه حذر من أن تجاوز هذا التحالف للخطوط الحمراء الصينية قد يثير توتراً في العلاقات بين بكين وموسكو، في ظل سعي الصين للحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الغرب.
رمزية السلاح وإرث التاريخ
وأضاف رشوان أن الأسلحة الكورية الشمالية، رغم افتقارها للتطور التقني، تؤدي دوراً فعالاً في المعارك البرية، فيما تكمن قوتها الأساسية في الحماس العقائدي للمقاتلين الكوريين الشماليين الذين تم إرسالهم بتوجيه مباشر من الزعيم كيم جونغ أون.
وأوضح أن هذا الدعم العسكري يمثل أيضاً رداً لجميل تاريخي، إذ سبق لموسكو أن دعمت الجد الأكبر لكيم جونغ أون خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.
يبدو أن موسكو وبيونغ يانغ اختارتا كسر السرية والانتقال إلى تحالف معلن يعيد رسم موازين الحرب الأوكرانية، ويضع العالم أمام مرحلة جديدة من الاصطفافات الدولية. ومع دخول كوريا الشمالية العلني على خط الصراع، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الحرب وتحولها إلى مواجهة عالمية بالوكالة، بين محورين لا يبدو أن أياً منهما مستعد للتراجع.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




