نهضة سياسية تحت النار: هل يفشل انتقال سوريا بسبب العنف الطائفي؟
ترجمة – نبض الشام
بعد تسعة أشهر من سقوط حكومة بشار الأسد، بدت سوريا وكأنها تدخل مرحلة انفتاح دولي وبداية تعافٍ اقتصادي واعد. لقاءات دبلوماسية رفيعة في دمشق وعمان وبغداد حملت وعوداً بإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات. لكن مشاهد العنف الطائفي المروّعة، وآخرها في السويداء، تهدد بإجهاض هذه الآمال وتقويض مسار الانتقال السياسي.
بوادر نهضة دبلوماسية
منذ سقوط حكومة الأسد، استعادت سوريا شيئاً من حضورها الخارجي بعد سنوات من العزلة. الإدارة الانتقالية في دمشق استقبلت شخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة، فيما زار الرئيس أحمد الشرع عواصم عدة بصفته ضيفاً رسمياً.
أمس، شهدت العاصمة الأردنية عمان اجتماعاً مهماً جمع مسؤولين من الولايات المتحدة والأردن وسوريا، تمحور حول إعادة الإعمار وتأمين الاستثمارات الأجنبية لإعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد السوري. نجاح هذه الجهود قد يمثل قفزة كبرى إلى الأمام، مستنداً إلى تراجع نظام العقوبات وحماس ملايين السوريين الساعين إلى مستقبل أفضل.
وفي بغداد، التقى وزير الطاقة السوري محمد البشير بوزير النفط العراقي حيان عبد الغني لمناقشة سبل تعزيز التعاون في مجال الطاقة، في مؤشر آخر على الانفتاح الإقليمي.
وجهان متناقضان لسوريا
رغم هذه التحركات، تتعايش في البلاد روايتان متباينتان: الأولى عن وطن يسعى لتجاوز سنوات الحرب وسوء الإدارة، والثانية عن مجتمع منقسم يعيشه الخوف والعنف.
هذا العام، شهدت سوريا موجات عنف طائفي دامية، كان آخرها في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية. ورغم تراجع الاشتباكات بين الدروز والبدو، تبرز أدلة تشير إلى تورط قوات الأمن في عمليات إعدام ميدانية.
مشاهد صادمة من السويداء
أحدث هذه الأدلة مقطع مصوَّر من كاميرات المراقبة في “المستشفى الوطني بالسويداء”، يظهر جندياً بزي قوى الأمن الداخلي ينتقي رجلاً من بين الطاقم الطبي المذعورين، هو محمد بحصاص، قبل أن يضربه على رأسه ويطرحه أرضاً ويطلق عليه النار من مسافة قريبة. بعدها، قام جنديان بسحب جثته تاركين آثار دماء كثيفة في ممر المستشفى.
رغم عدم التحقق النهائي من هوية المسلحين، فإن المؤشرات القوية تفيد بانتمائهم للقوات الحكومية، وسط تقارير أخرى عن عمليات قتل مشابهة نفذها رجال بزي الجيش الرسمي ضد مدنيين في المحافظة.
تهديد مباشر لمسار الانتقال
هذه الجرائم تكشف استحالة التعايش بين روايتي التعافي والانقسام. ورغم إعلان وزارة الداخلية السورية فتح تحقيق لـ”تسريع تحديد الجناة والقبض عليهم”، فإن غياب خطوات حاسمة يضع مسار الانتقال السياسي في خطر.
الحكومات والمستثمرون الأجانب، الذين يشكّلون عنصراً حيوياً في إعادة إعمار سوريا، قد يفقدون الثقة إذا استمرت موجات العنف الطائفي وسقط المزيد من الضحايا، خاصة مع وجود شبهات تورط عناصر حكومية.
ضغط دولي مطلوب
التقارب الدولي مع سوريا ليس أمراً مضموناً، بل فرصة مشروطة بالتغيير الإيجابي. على الشركاء الأجانب استغلال نفوذهم للضغط على دمشق لضمان محاسبة مرتكبي الجرائم.
في المقابل، يواجه الرئيس الشرع وفريقه تحدياً هائلاً للحفاظ على تماسك البلاد وسط أزمات متشابكة. لكن إن لم يتم وضع حد عاجل وحاسم لمشاهد العنف في السويداء وغيرها، فإن الجهود المبذولة نحو التعافي قد تنهار بالكامل.
سوريا اليوم تقف على مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تواصل طريق التعافي والانفتاح عبر إنهاء العنف ومحاسبة الجناة، أو أن تنزلق مجدداً إلى دوامة الانقسام وفقدان الثقة. مستقبل البلاد يعتمد على سرعة وجرأة القرارات في مواجهة هذه التحديات.




