شرق أوسط ما بعد إيران: صراع القوى على ملء الفراغ الإقليمي

ترجمة – نبض الشام
أحد السمات البارزة للشرق الأوسط اليوم هو التراجع الجيوسياسي لإيران التي كانت ذات يوم قوة إمبراطورية. فلم تعد بالقوة التي كانت عليها قبل الأحداث المأساوية في 7 أكتوبر 2023. إن تقليص نفوذ هذه القوة الإقليمية يمهد لمرحلة جديدة من الجغرافيا السياسية يمكن وصفها بدقة بأنها “ما بعد الهيمنة الإيرانية” في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.
إذ يشهد الشرق الأوسط تحوّلاً جذرياً مع تراجع النفوذ الإيراني بعد عقود من الهيمنة. فالهزائم الإقليمية، والانكماش الاقتصادي، والاضطرابات الداخلية، دفعت طهران إلى الانكفاء على ذاتها. وفي ظل هذا الفراغ، تتسابق ثلاث قوى رئيسية (إسرائيل، تركيا ودول الخليج) لرسم ملامح مرحلة جديدة من موازين القوى.
انهيار محور المقاومة
إن “محور المقاومة” سيئ السمعة الذي تقوده إيران في حالة فوضى. فقد خسرت طهران فعلياً سوريا (الحليف الرئيسي) وركيزة نفوذها الإقليمي لما يقارب أربعة عقود. ولم تفقدها كشريك استراتيجي فحسب، بل إن القيادة الجديدة في دمشق، تحت رئاسة أحمد الشراع المؤقتة، أعادت تموضعها في مواجهة طهران، مُنضمة إلى ما يُعرف بـ”محور الاعتدال العربي”.
ضربة للقدرات النووية
في الوقت نفسه، تضرر برنامج إيران النووي (الذي كان يوماً مصدراً رئيسياً لقوة التفاوض لقيادتها) بشكل بالغ نتيجة الضربات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة. وما زال حجم الأضرار بحاجة للتحقق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن من الصعب في الوقت الحالي تقييم مستقبل القدرات النووية الإيرانية. ورغم أن إيران ما زالت تحتفظ بقدر من القوة يكفي لترهيب جيرانها، إلا أنها تعرضت لانتكاسة جيوسياسية كبيرة، وربما لا يمكن عكس مسارها.
أزمة داخلية خانقة
على الصعيد الداخلي، تنشغل الجمهورية الإسلامية بمجرد البقاء. فاقتصادها يعاني تحت وطأة العقوبات القاسية. وتظل معدلات التضخم مرتفعة بشكل مذهل عند 40%، ويستمر ارتفاع البطالة (خاصة بين خريجي الجامعات) فيما تعاني البلاد من سوء الحوكمة والفساد المتجذر. فعلى سبيل المثال، وبسبب سوء الإدارة، تعاني طهران (التي يقطنها ما يقرب من تسعة ملايين نسمة) من نقص حاد في المياه، والأزمة تتفاقم. وعلى المستوى الاجتماعي، تطالب جيل جديد من الإيرانيين بالإصلاح ويتحدى المؤسسة الدينية المحافظة بشكل أكثر علانية.
تراجع النفوذ الإقليمي
إن مستقبل إيران معلق بين السماء والأرض. فهي، على أقل تقدير، دولة أكثر انكفاءً على نفسها، ما تزال تتعافى من نكسات إقليمية كبيرة، تشمل التراجع السياسي والعسكري لحزب الله في لبنان (الذي كان في السابق جوهرة تاج محورها) وتراجع قوة حركة حماس في غزة، وصعوبتها في فرض أجندة طائفية في العراق. ولا يوجد أي مؤشر موثوق على انهيار وشيك للنظام، تماماً كما أن من المبكر استبعاد مكانتها كواحدة من القوى الأربع في الشرق الأوسط، إلى جانب إسرائيل وتركيا ودول الخليج العربي. ومع ذلك، فإن تراجع إيران يترك وراءه فراغًا في القوة – وثلاث قوى إقليمية رئيسية تستعد لملئه.
إسرائيل في الصدارة
إسرائيل، بعد انتصارها على إيران، تُعد اليوم بلا منازع القوة المهيمنة عسكرياً في المنطقة. فهي تمتلك تفوقاً جوياً شبه كامل يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى أفغانستان، كما أن معظم الأجواء في بلاد الشام باتت فعلياً تحت السيطرة الإسرائيلية. ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدث بالفعل عن “شرق أوسط جديد يتمحور حول إسرائيل”.
لكن، وكما كان متوقعاً، فإن الهجوم المستمر الذي يشنه السيد بنيامين نتنياهو في غزة، وخطواته العدائية نحو ضم الضفة الغربية (مما يقوّض آفاق قيام دولة فلسطينية) يولدان ردود فعل معاكسة من المجتمع الدولي. إن منطقة تُعرَّف بهيمنة إسرائيل العسكرية، في وقت تنخرط فيه مراراً في الحروب وتفشل في معالجة الكارثة الإنسانية في غزة، من غير المرجح أن تحقق سلاماً دائماً.
طموحات تركية محدودة
ترى تركيا فرصة سانحة في المنطقة، لا سيما في سوريا، حيث تسعى إلى بسط نفوذها. وتعتبر أنقرة هذا البلد جزءاً من مجالها الاستراتيجي الخلفي. ومع ذلك، يبقى نفوذ تركيا محدوداً في معظمه على شمال سوريا، ولا يمكنها مجاراة القوة العسكرية الإسرائيلية على امتداد المنطقة. ولذلك، فهي لا تُصنَّف جيوسياسياً على أنها القوة المهيمنة على الشرق الأوسط الذي يتشكل حديثاً.
الثلاثي الخليجي الصاعد
أما القطب الإقليمي الثالث، فيتكوّن من دول الخليج العربية، وخاصة السعودية والإمارات وقطر (المعروفة بـ”الثلاثي الخليجي”) أو G3. هذه الدول مزدهرة اقتصادياً، مستقرة سياسياً، وذات طموحات كبيرة، وهي تمارس نفوذاً وقوة على الساحة الدولية، ومعترف بها عالمياً كشركاء موثوقين. وقد حظيت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة في وقت سابق من هذا العام باهتمام دولي واسع لصالح هذا الثلاثي.
وكما هو حال معظم العالم العربي، سيكون الثلاثي مرتاحاً لرؤية قرب نهاية النفوذ الخبيث لطهران على الشرق الأوسط. فإيران أقل قدرة على زعزعة الاستقرار تمثل خبراً ساراً لأمن الخليج.
وتنتهج هذه الدول استراتيجية مزدوجة: مواصلة التواصل والانخراط الحذر مع إيران، مع تعزيز ثقلها الجيوسياسي المشترك كقوى متوسطة صاعدة؛ والظهور كمراكز نفوذ مع اتباع سياسة خارجية نشطة. هدفها ليس الهيمنة، بل شرق أوسط أكثر استقراراً.
فرص ما بعد الهيمنة الإيرانية
ولا يعني ذلك اختفاءً تاماً للنفوذ الإيراني، بل يشير إلى مرحلة جديدة في الديناميكيات الإقليمية، حيث يتحرك ميزان القوى بعيداً عن طهران، على الأقل في الوقت الراهن. والفرص المرتبطة بانكماش الدور الإيراني هائلة: عدد أقل من الفاعلين المسلحين من غير الدول، ومساحة أوسع للدبلوماسية ومبادرات السلام، وتركيز متجدد على الاقتصاد الجيوسياسي بدلاً من الجغرافيا السياسية، ونهاية للأيديولوجيا، بما في ذلك احتمال نهاية الإسلام السياسي المتطرف.
وفي نهاية المطاف، فإن جميع الدول في المنطقة يمكن أن تستفيد من هذه المرحلة التي تلي الهيمنة الإيرانية على الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران نفسها، التي تملك الآن فرصة نادرة للتحول من المواجهة إلى التعاون. ومع ذلك، فإن الكثير من ذلك يعتمد على الجمهورية الإسلامية وما إذا كانت ستختار التصرف بمسؤولية وبراغماتية في السنوات المقبلة.




