ترجمات نبضتقاريرخارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

بين واشنطن وموسكو وتل أبيب: هل تنجو إيران من العد التنازلي؟

ترجمة – نبض الشام

تواجه إيران لحظة حاسمة في مسارها الإقليمي مع تآكل نفوذها وتراجع أدواتها التقليدية، من لبنان إلى اليمن. ومع تصاعد الضغوط الأمريكية والأوروبية وعودة خيار العقوبات إلى الواجهة، تبدو طهران محاصرة بين خيارات مؤلمة تهدد مكانتها الاستراتيجية. في المقابل، يجد الغرب نفسه أمام اختبار لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع إيران، وإسرائيل، وروسيا على حد سواء.

ارتباك استراتيجي
شهد هذا الأسبوع لحظة محورية من الارتباك الاستراتيجي لدى القيادة الإيرانية، مع تآكل متزايد في هيبتها. فقد كشفت اللحظة عن تصدعات في مشروعها القائم على أيديولوجيا توظّيف لبنان وسوريا والعراق واليمن كأدوات ضمن ما تسميه “محور المقاومة”.

وبذلك تسابق طهران اليوم لجمع شتات هيمنة آخذة في الأفول كانت قد جعلتها ذات يوم لاعباً إقليمياً مهاباً، وتسعى لإعادة تجميع وكلائها المبعثرين واستدعاء حلفائها التقليديين، ومن بينهم روسيا. غير أن موسكو تجد نفسها اليوم أمام واقع يقوم على مهادنة القوة العظمى الوحيدة المتبقية (الولايات المتحدة) أملاً في الحصول على إعفاء من العقوبات الخانقة.

حلفاء مترددون
كلا من القيادتين الإيرانية والروسية يسيران على حبل مشدود من القلق، عالقين بين التوق إلى مجد النفوذ الإقليمي والدولي وبين حقائق الواقع الراهن التي تفرض قبولاً متردداً بشروط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

تبدو القيادة الإيرانية مضطربة أمام احتمال تجدد العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك أمام إمكانية إعادة فرض العقوبات الأوروبية عبر آلية “سناب باك” (العودة التلقائية للعقوبات) رداً على سياساتها النووية.

ذعر داخلي
وقد أشعل هذا الحصار الاقتصادي والعسكري المتصاعد حالة ذعر في مختلف مراكز القوى داخل إيران، التي تخضع جميعها في نهاية المطاف للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. وهذا الذعر يفسّر جزئياً سبب لجوء طهران إلى أذرعها الإقليمية في محاولة يائسة لإنقاذ نفوذها المتناقص.

السيادة اللبنانية
غير أن مسار طهران في لبنان واجه تطوراً لم يكن في حسبانها: فقد اصطدم بجدار من السيادة اللبنانية المتجددة، وهو مآل خالف توقعات قيادة إيرانية اعتادت طويلاً على خضوع بيروت لأوامرها عبر وكيلها حزب الله.

ورقة خاسرة
لقد أصبح واضحاً أن غالبية اللبنانيين لم يعودوا يريدون لبلدهم أن يكون ساحة صراع بالوكالة تُستخدم لخدمة مصالح كل من إسرائيل أو إيران. وخلال زيارة علي لاريجاني، كبير المسؤولين الأمنيين الإيرانيين، إلى لبنان، بدا جلياً أن غرور طهران يتهاوى تحت وطأة دولة وشعب لبنانيين متحدّيين.

وفي الواقع، اتخذ الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري خطوات حاسمة نحو فك الارتباط مع السيطرة الإيرانية. وهذا ليس تطوراً ثانوياً. فقد كانت طهران تفترض أنها قادرة على استخدام لبنان وحزب الله كورقة ضغط في مفاوضاتها مع إدارة ترامب. لكن النتيجة جاءت عكسية، إذ فوجئت بأن فريق ترامب انتزع تلك الورقة من يدها.

عدّ تنازلي
تجد القيادة الإيرانية نفسها اليوم محاصرة بتراجع قيمة وفاعلية وكلائها المسلحين. وبالنسبة إلى طهران، فإن ذلك يشير إلى بدء العد التنازلي لتراجع أهميتها في ميزان القوى الإقليمي.

فماذا ستفعل إيران؟ هل سيشرب السيد خامنئي كأس السمّ الذي اختاره سلفه، آية الله روح الله الخميني الراحل، عندما قبل بوقف إطلاق النار مع العراق؟ أم أن القيادة الحالية ستبقي رأسها مدفوناً في الرمال، رافضة الاعتراف بالتراجع الخطير في وزنها الإقليمي، وتقلص خياراتها، وتناقص قدراتها، وتلاشي هيبتها؟

رهان الغرب
وماذا سيقرر الغرب في مواجهة حالة الذعر المتصاعد لدى إيران، التي تجلّت جزئياً في التصعيد الخطير من جانب نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي لجأ إلى التهديد ضد الدولة اللبنانية وشعبها إذا مضت الحكومة في قرارها بفرض احتكار السلاح؟

لقد حان الوقت كي تأخذ واشنطن وبروكسل لبنان على محمل الجد أكثر. فالولايات المتحدة تدرك أن اللحظة قد حانت لإثارة مسألة الوكلاء الإيرانيين في المفاوضات الثنائية غير العلنية وكذلك العلنية. ولا تزال طهران تعتقد أنها تتمتع بحصانة إزاء ما ترتكبه في لبنان، لأنها تفترض أن الغرب يهتم فقط بالملف النووي. وهنا يجب على واشنطن أن توضّح لطهران كم أن افتراضها هذا خاطئ.

خيارات أوروبا
قد يجادل البعض بأن العبء يقع بشكل مباشر على الولايات المتحدة، نظراً لنفوذها على إيران، كما هو الحال مع روسيا وإسرائيل. وهذا صحيح. لكن القوى الأوروبية أيضاً تملك أدوات ضغط. فأولويتها القصوى خلال السنوات الثلاث الماضية تمثلت في احتواء النفوذ الروسي في القارة، وكذلك جهوده الحربية في أوكرانيا.

وقد ردّت أوروبا بفرض عقوبات اقتصادية على موسكو، وتزويد كييف بأسلحة متقدمة، وتوسيع حلف الناتو. وهي تتابع خطوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن كثب. وفي الوقت نفسه، تصارع مع ضميرها الجمعي بشأن الجرائم الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة، ولوّحت بالاعتراف بدولة فلسطين كورقة ضغط.

صحيح أن الاعتراف سيكون خطوة إيجابية، لكنه يحتاج إلى أن يُستكمل بإجراءات ملموسة (بما في ذلك فرض عقوبات جدية) ضد إسرائيل. فبدون ذلك، ستواصل إسرائيل فرض أجندتها في الأراضي المحتلة.

العقوبات كسلاح
في الواقع، قد يكون سلاح العقوبات هو الوسيلة الفعالة الوحيدة لتغيير سلوك إسرائيل، تماماً كما يُتوقع أن يمارس ضغطاً ملموساً على إيران. ففي نهاية المطاف، لولا إعلان واشنطن عن نطاق العقوبات التي كانت مستعدة لفرضها على روسيا ضمن إطار زمني محدد، هل كانت موسكو لتسارع إلى طلب قمة مع السيد ترامب في ألاسكا؟

تدلّ كل المؤشرات على أن إيران تدخل مرحلة غير مسبوقة من الانكماش السياسي والاستراتيجي، حيث لم تعد أدواتها قادرة على ضمان نفوذها كما في السابق. ومع تزايد الضغوط الأمريكية والأوروبية وتغيّر المواقف الإقليمية، يبدو أن طهران أمام مفترق طرق تاريخي: إما الانخراط في تسوية تعيد تعريف دورها، أو مواجهة عزلة متصاعدة تفقدها ما تبقى من هيبتها الإقليمية.

بواسطة
thenationalnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى