نبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

الشرق الأوسط يعيد كتابة مستقبله

مقال لـ طوني بولس

في قلب الصراع المشتعل في الشرق الأوسط، يتشكل نظام إقليمي جديد على أنقاض شرق أوسط قديم استنزفته الأيديولوجيا والهيمنة والفساد، فالحرب القائمة اليوم لم تعُد مجرد مواجهة عسكرية ظرفية، بل تحولت إلى لحظة مفصلية تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات، وتفتح الباب واسعاً أمام تحولات استراتيجية تعيد للدول العربية مكانتها ودورها في صياغة مستقبل المنطقة، بعيداً من سطوة المشروع الإيراني العابر للحدود.

لأعوام طويلة، نجحت إيران في فرض مشروعها التوسعي عبر أذرع عسكرية وأمنية وأيديولوجية في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وحتى في بعض دول الخليج العربي وشمال أفريقيا. ولم يكُن المشروع الإيراني مجرد تمدد سياسي تقليدي، بل استند إلى أيديولوجيا دينية متطرفة حاولت تفكيك الهويات الوطنية وتكريس ولاءات عابرة للدولة عبر منطق “تصدير الثورة”.

لكن هذا المشروع بدأ يتآكل من الداخل، فالحرب التي وصلت اليوم إلى قلب طهران، والغارات التي تستهدف مواقع الحرس الثوري ومراكز أبحاث الأسلحة، ليست مجرد ردود فعل عسكرية، بل مؤشرات على بداية انهيار منظومة نفوذ أرادت فرض ميزان قوى لمصلحة إيران، على حساب استقرار المنطقة.

تقاطع مصالح إقليمي
المشهد الإقليمي يشهد اليوم تقاطعاً لافتاً بين مصالح كثير من الدول التي تضررت لعقود من مشروع إيران العابر للحدود. من لبنان الذي دفع ثمناً باهظاً على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني، إلى العراق الذي تآكلت مؤسساته نتيجة الميليشيات التابعة لطهران، إلى سوريا التي تحولت إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، إلى اليمن الذي خُطفت عاصمته وتحولت أراضيه إلى منصات تهديد للملاحة الدولية… وجميع هذه الدول باتت اليوم على مفترق طرق.

انكفاء المحور الإيراني وانشغال طهران بأزماتها الداخلية يتيحان فرصة ذهبية لإعادة هيكلة الدولة الوطنية في هذه البلدان، والتخلص من أنظمة الفساد والتبعية التي تأسست على قاعدة الولاء لـ”محور الممانعة”، ففي لبنان مثلاً يشكل ضعف “حزب الله” اليوم لحظة مفصلية لاستعادة الدولة المختطفة وبناء مؤسسات سيادية تنهض من جديد من رماد الانهيار.

مشروع الشراكة
النظام الإقليمي الذي يتبلور يقوم على أسس شراكة اقتصادية وتنموية. ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، تمثل اليوم القوة الاقتصادية الأبرز في المنطقة.

والمشروع الجديد الذي تتبناه هذه الدول يقوم على الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، وليس على تصدير السلاح أو الميليشيات.

وزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السعودية والخليج شكلت لحظة تاريخية، فرسخت التحالف الأميركي – الخليجي على قاعدة المصالح المشتركة، وفتحت الباب أمام تدفق استثمارات ضخمة وتعزيز شراكات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة والبنى التحتية.

أبواق التخويف
يحاول بعض المروجين لمنطق الممانعة تخويف شعوب المنطقة من أن النظام الإقليمي الجديد سيكون خاضعاً للسيطرة الإسرائيلية. وهذا الخطاب لا يعدو كونه محاولة يائسة لتبرير استمرار الهيمنة الإيرانية. صحيح أن لإسرائيل دوراً عسكرياً بارزاً في المواجهة مع إيران، لكن الشرق الأوسط الجديد لا يقوم على منطق الهيمنة الأحادية، بل على تعدد الأقطاب والتكامل الاقتصادي والسياسي بين دول المنطقة.

المصدر: اندبندنت عربية

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى