معارضو روسيا في مرمى الخطر.. هل امتد النفوذ إلى أميركا؟

كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن مؤشرات جديدة على احتمال تخلي روسيا عن قاعدة غير مكتوبة لطالما حدّت من تنفيذ عمليات اغتيال على الأراضي الأمريكية، وذلك بعد كشف لائحة اتهام أمريكية تتهم خمسة أشخاص بالعمل لصالح أجهزة الاستخبارات الروسية والتخطيط لاستهداف معارض روسي في واشنطن.
وتزامن ذلك مع تحذيرات أطلقها معارضون روس يعيشون في المنفى، قالوا خلالها إن “قواعد اللعبة” ربما تغيرت، وإن الولايات المتحدة لم تعد بالضرورة الملاذ الآمن الذي اعتادوا الاعتماد عليه بعيدًا عن أجهزة الكرملين.
وكان الصحفي الروسي المعارض رومان دوبروخوتوف حضر مؤتمرًا في واشنطن هذا الأسبوع، بعدما كان يتجنب الظهور العلني في أوروبا بسبب مخاوف أمنية. وكشفت محاكمة جرت في لندن العام الماضي أنه كان أحد الأهداف المحتملة لشبكة تجسس روسية بدت لديها نوايا قاتلة.
وفي إحدى الرسائل التي كشفتها القضية، ناقش أحد العناصر الذين جندتهم روسيا طرقًا لقتل دوبروخوتوف في بريطانيا، من بينها إحراقه أو استخدام مواد شديدة السمية، بينها غاز الأعصاب “في إكس” أو مادة الريسين.
ومع ذلك، لطالما اعتُبرت الأراضي الأمريكية مساحة أكثر أمانًا للمعارضين الروس المنتقدين للكرملين، سواء خلال الحقبة السوفيتية أو في عهد الرئيس فلاديمير بوتين؛ إذ تجنبت موسكو تاريخيًا تنفيذ عمليات اغتيال علنية على الأراضي الأمريكية خشية التداعيات السياسية والأمنية المترتبة على ذلك.
لكن هذا التصور اهتز هذا الأسبوع، بعدما قالت وزارة العدل الأمريكية إنها رفعت السرية عن لوائح اتهام غيابية بحق خمسة أشخاص يُشتبه في عملهم لمصلحة أجهزة الاستخبارات الروسية والتآمر لتنفيذ هجمات وعمليات قتل في أنحاء العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.
وكان أبرز ما ورد في القضية مخطط لتجنيد أشخاص يقيمون في الولايات المتحدة بهدف “التخلص” من معارض روسي بارز يعيش في العاصمة واشنطن.
رسائل مشفرة وسط عبارات غامضة
واتهمت السلطات خمسة أشخاص بالمشاركة في الشبكة، بينهم ضابط في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي “إف إس بي” يدعى كيريل خرمييف، ووالده يوري، وهو عقيد سابق في الجهاز. وضمت المجموعة أيضًا كوبيين اثنين وفنزويليًا، قالت السلطات إنهم شاركوا في تنفيذ مهام مرتبطة بالمخطط.
وكشفت التحقيقات رسائل مشفرة باللغة الإسبانية، استخدمت فيها عبارات غامضة للإشارة إلى عملية الاغتيال، بينها وصف المهمة بأنها “عمل بالغ الخطورة”.
وبحسب لائحة الاتهام، عُرض مبلغ 40 ألف دولار لمراقبة شخص في واشنطن ثم قتله، بعدما أرادت الدولة الروسية اختفاءه. كما تحدث المتورطون عن الاستعانة بقتلة من المكسيك لتنفيذ العملية، لكن تأخر وصولهم دفع الشبكة إلى البحث عن منفذ محلي.
ولم تكشف السلطات الأمريكية هوية الشخص المستهدف، إلا أن اسم المعارض الروسي فلاديمير كارا-مورزا برز بين الأسماء المحتملة. وكان كارا-مورزا قد خرج من السجن في سيبيريا وانتقل إلى الولايات المتحدة عام 2024 ضمن صفقة تبادل سجناء مع روسيا، لكنه رفض التعليق على القضية.
وتكتسب القضية أهمية إضافية بسبب ندرة عمليات الاغتيال الروسية على الأراضي الأمريكية مقارنة بسجل موسكو في أوروبا. فقد أدرجت لائحة الاتهام سلسلة من العمليات المنسوبة إلى أجهزة الاستخبارات الروسية، بينها اغتيال الصحفي الأمريكي بول كليبنيكوف في موسكو عام 2004.
عمليات تجسس وقواعد غير مكتوبة
وبعد عامين، قُتل ضابط جهاز الأمن الفيدرالي الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو في لندن، بعدما دس عملاء روس مادة مشعة في الشاي الذي تناوله.
وفي عام 2018، تعرض ضابط الاستخبارات العسكرية الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا للتسميم بغاز أعصاب في مدينة سالزبوري البريطانية، فيما توفيت امرأة بريطانية بعد تعرضها للمادة السامة. وفي العام التالي، خلصت محكمة ألمانية إلى أن المعارض الشيشاني زليمخان خانغوشفيلي اغتيل في برلين بأمر من الدولة الروسية.
كما توفي المعارض الروسي أليكسي نافالني عام 2024 أثناء احتجازه، بعدما كان تعرض في وقت سابق لمحاولة تسميم بغاز “نوفيتشوك”.
وفي هذا السياق، قال كريس كوستا، المسؤول السابق في الاستخبارات الأمريكية والمدير التنفيذي لمتحف التجسس الدولي في واشنطن، إن العلاقات الاستخباراتية خلال الحرب الباردة قامت على “قواعد غير مكتوبة”.
وأوضح أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي نفذا عمليات تجسس واسعة ضد بعضهما، لكنهما التزما حدودًا معينة، خصوصًا فيما يتعلق باستهداف أفراد أجهزة الاستخبارات وعائلاتهم جسديًا.
وبحسب كوستا، فإن صحة الاتهامات الأمريكية ستعني تجاوز خط مختلف تمامًا عن عمليات التجسس التقليدية؛ لأن التخطيط للمراقبة والقتل داخل الأراضي الأمريكية سيشكل تصعيدًا نوعيًا في طبيعة المواجهة بين البلدين.
من جهته، قال جاك ديفاين، المدير السابق للعمليات في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إن الكرملين ربما أصبح أقل اهتمامًا بالعواقب الدولية المحتملة لمثل هذه العمليات، بما في ذلك الانتقادات والعقوبات.
ورأى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقدم نفسه بوصفه زعيمًا قويًا على الطراز القديم، لكنه قد يقلل من تقدير التداعيات بعيدة المدى للعزلة التي قد تترتب على هذه السياسة.
عقوبات وإجراءات أمنية مشددة
في المقابل، أشار كالدر والتون، الباحث في مشروع الاستخبارات بمركز بيلفر التابع لجامعة هارفارد، إلى أن القضية لا تتعلق بالدوافع الروسية فقط، بل أيضًا بطريقة تعامل واشنطن معها.
وكشف والتون أن وحدة اغتيال روسية استهدفت عام 2020 ألكسندر بوتييف، وهو منشق روسي كان يعيش في الولايات المتحدة، لكن السلطات الأمريكية اختارت آنذاك التعامل مع القضية بسرية، على ما يبدو لحماية مصادر وأساليب العمل الاستخباراتي وتجنب مواجهة علنية مع موسكو.
أما كشف لائحة الاتهام الحالية، فيمثل نهجًا مختلفًا، إذ يهدف إلى فضح الشبكة وتحذير الأشخاص الذين قد يجري تجنيدهم وطمأنة المعارضين المهددين.
ويرى والتون أن واشنطن قد تتجه إلى تعزيز حماية المعارضين والمنشقين الروس، وتكثيف التحقيقات بشأن الشبكات التي تعمل بالوكالة عن موسكو، وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء الأوروبيين. وقد تشمل الخطوات اللاحقة فرض عقوبات جديدة أو طرد أشخاص أو توجيه اتهامات جنائية.
وفي السياق نفسه، ظهرت مؤشرات على تشديد الإجراءات الأمنية بحق المعارضين الروس في الولايات المتحدة.
وقالت الناشطة أناستاسيا شيفتشينكو، التي فرت إلى ليتوانيا عام 2022 بعد إدانتها بموجب قانون روسي يتعلق بـ”المنظمات غير المرغوب فيها”، إنها تلقت خلال مقابلة للحصول على تأشيرة أمريكية تحذيرًا من افتراض أنها ستكون آمنة أثناء زيارتها.
ومن جانب آخر، ربطت الباحثة نيكي ليوبارسكي من مركز سوفان، المتخصص في الأمن العالمي، توقيت كشف لائحة الاتهام باحتمال تصاعد التوتر خلف الكواليس بين واشنطن وموسكو.
وأشارت إلى عقوبات أقرها مجلس النواب، وزيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية إلى روسيا، فضلًا عن تقارير تحدثت عن دعم روسي لإيران في صراعها المستمر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما المعارضون الروس المشاركون في مؤتمر واشنطن، فتعاملوا مع التطورات بقدر كبير من القلق.
وقالت ناتاليا أرنو، مؤسسة ورئيسة “مؤسسة روسيا الحرة”، التي قالت إنها تعرضت لأعراض تسمم مشتبه بها خلال زيارة إلى براغ عام 2023، إن ما تغير بات واضحًا، مضيفة: “كنا نعتقد أن الكرملين لن يجرؤ على فعل شيء على الأراضي الأمريكية. الآن أصبح المشهد مختلفًا”.




