أخبــاربلاد الجوارتغطية خاصة الحرب على إيراننبض الساعة

خامنئي يعيد تشكيل القيادة الإيرانية.. رجال المرحلة الأصعب

بدأ المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إعادة ترتيب هرم القيادة العسكرية والأمنية في البلاد، عبر سلسلة تعيينات شملت مواقع عليا في هيئة الأركان والقوات المسلحة والحرس الثوري والباسيج، في خطوة تأتي بالتزامن مع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي والعقوبات ومضيق هرمز.

وتشير قراءة لهذه التغييرات إلى توجه نحو تعزيز حضور شخصيات ذات خلفيات عسكرية وأمنية طويلة في مراكز صنع القرار، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً داخلية وخارجية وتخوض اتصالات غير مباشرة مع واشنطن بشأن عدد من الملفات الحساسة.

رضائي يعود إلى الواجهة

كان من أبرز التغييرات تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لمحمد باقر ذو القدر، إلى جانب تعيينه ممثلاً شخصياً للمرشد داخل المجلس.

ويمنح هذا الجمع بين المنصبين رضائي دوراً بارزاً في الهيئة التي تنسق القضايا الأمنية والاستراتيجية بين المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية في إيران.

ويملك رضائي مسيرة طويلة داخل المؤسسة العسكرية، إذ تولى قيادة الحرس الثوري بين عامي 1981 و1997، خلال معظم سنوات الحرب الإيرانية العراقية، قبل انتقاله إلى مناصب سياسية واقتصادية وأمنية متعددة.

ويأتي عودته إلى مركز القرار في وقت تشهد فيه الاتصالات بين طهران وواشنطن خلافات بشأن العقوبات وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. ويرى مراقبون أن اختيار شخصية ذات خلفية عسكرية كهذه قد يعكس رغبة القيادة الإيرانية في إدارة المفاوضات من موقع أكثر تشدداً، لكن لا يوجد إعلان رسمي يربط التعيين بتغيير محدد في سياسة طهران.

تغييرات واسعة في المؤسسة العسكرية

ولم تقتصر التغييرات على مجلس الأمن القومي، إذ أصدر مجتبى خامنئي في 10 آب مراسيم شملت عدداً من المناصب العسكرية العليا.

وتضمنت التعيينات اختيار علي عبداللهي رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة، وكيومرث حيدري نائباً لرئيس هيئة الأركان، فيما عُيّن مصطفى إيزدي نائباً لقائد الحرس الثوري، وأسندت قيادة القوة البحرية في الحرس إلى علي عظمايي.

وكان من أبرز التعيينات أيضاً اختيار أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري وترقيته إلى رتبة لواء.

ويتمتع وحيدي بخبرة طويلة داخل المؤسسة العسكرية والحكومية، وشغل سابقاً منصبي وزير الدفاع ووزير الداخلية، إلى جانب مواقع أخرى في مؤسسات الدولة.

وبحسب المرسوم الصادر عن المرشد، تتركز مهمة وحيدي على تعزيز القدرات العسكرية والردعية ورفع مستوى الاستعداد لمواجهة التهديدات الخارجية.

طائب يعود إلى الباسيج

وشملت إعادة ترتيب القيادة كذلك تعيين حسين طائب رئيساً لمنظمة الباسيج، وهي القوة المرتبطة بالحرس الثوري والتي تضطلع بأدوار في الأمن الداخلي والتعبئة.

وسبق لطائب أن تولى قيادة الباسيج، كما شغل منصب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، ويُعد من الشخصيات ذات الخبرة الطويلة في المجال الأمني.

وتشير طبيعة الأسماء التي اختيرت للمواقع الجديدة إلى اعتماد متزايد على شخصيات تمتلك خبرة واسعة في المؤسسات العسكرية والأمنية، بما يعزز دور هذه المؤسسات في إدارة الملفات الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة.

غياب خامنئي عن المشهد

تأتي هذه التغييرات في وقت لا يزال فيه مجتبى خامنئي بعيداً عن الظهور العلني منذ اختياره مرشداً لإيران في 8 آذار 2026.

ولم تُنشر خلال هذه الفترة صور أو تسجيلات حديثة له، فيما نقلت تقارير إعلامية عن مصادر أن خامنئي تعرض لإصابات خلال الضربة التي أدت إلى مقتل والده علي خامنئي في 28 شباط، وأن اعتبارات أمنية وصحية تقف وراء غيابه عن الظهور العام.

وأثار هذا الغياب تساؤلات بشأن طبيعة إدارته للدولة، خصوصاً أن المرشد يمتلك الكلمة النهائية في القضايا العسكرية والأمنية والاستراتيجية.

في المقابل، تؤكد الرواية الرسمية الإيرانية أن خامنئي يواصل ممارسة مهامه. وقال الرئيس مسعود بزشكيان في 10 آب إنه التقى المرشد في اجتماع استمر نحو 7 ساعات، وتناول ملفات داخلية وخارجية واقتصادية، مشيراً إلى أن خامنئي قدم توجيهاته بشأن القضايا المطروحة.

وبذلك، يبقى غياب المرشد عن الظهور العلني منفصلاً، وفق الرواية الرسمية، عن ممارسة صلاحياته السياسية، في ظل استمرار صدور قرارات وتعيينات استراتيجية باسمه.

هرمز والملف النووي في الخلفية

تزامنت إعادة تشكيل القيادة مع استمرار الاتصالات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة بشأن عدد من الملفات، في مقدمتها مضيق هرمز والعقوبات والبرنامج النووي.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد تحدث عن تقدم في الاتصالات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة في المضيق، لكنه ربط استئناف حركة المرور بشروط إضافية تتعلق بالموقف الأميركي.

وفي المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن المفاوضات مع إيران لا تزال قائمة، في وقت يواصل فيه الطرفان تبادل المواقف بشأن شروط أي اتفاق محتمل.

ويحظى المجلس الأعلى للأمن القومي بأهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى دوره في تنسيق القرارات المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية، ما يجعل تعيين رضائي على رأسه أحد أبرز التغييرات في المرحلة الحالية.

رسالة سياسية أم إعادة تنظيم؟

لا يوجد حتى الآن موقف رسمي إيراني يربط التعيينات الجديدة بتحول جذري في السياسة تجاه الولايات المتحدة، كما لم تقدم السلطات تفسيراً مفصلاً لأسباب استبدال بعض المسؤولين الذين لم يمض وقت طويل على توليهم مناصبهم.

لذلك، فإن اعتبار التغييرات مؤشراً على تشدد إيراني أكبر يبقى قراءة سياسية تستند إلى خلفيات الشخصيات الجديدة وتوقيت تعيينها، وليس إلى إعلان رسمي عن تغيير في الاستراتيجية.

لكن توقيت إعادة تشكيل القيادة يلفت الانتباه، خصوصاً أنها جاءت بالتزامن مع مفاوضات حساسة وضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة.

فإسناد قيادة الحرس الثوري إلى أحمد وحيدي، وتعيين حسين طائب على رأس الباسيج، ومنح محسن رضائي دوراً محورياً داخل مجلس الأمن القومي، تعكس جميعها رغبة في إعادة تنظيم المؤسسات الأكثر ارتباطاً بالأمن والدفاع وصنع القرار الاستراتيجي.

وبالتالي، قد تكون التعيينات جزءاً من محاولة لتوحيد مراكز القرار الإيراني ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، في وقت تستعد فيه طهران لجولة أكثر تعقيداً من التفاوض مع واشنطن.

أما ما إذا كانت هذه الخطوة ستقود إلى تشدد أكبر في الملف النووي ومضيق هرمز، أم ستستخدم لتعزيز موقع إيران التفاوضي تمهيداً لتسوية، فسيبقى مرتبطاً بمسار الاتصالات المقبلة وبالقرارات التي ستتخذها القيادة الإيرانية خلال المرحلة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى