هل بدأت دمشق إعادة حساباتها مع حزب الله؟

بعد سنوات من المواجهة بين حزب الله والفصائل التي تقود دمشق حالياً، بدأت المصالح المتبادلة تفرض نفسها على حسابات الطرفين، وسط مؤشرات على إمكانية فتح قنوات تواصل جديدة، رغم استمرار السلطات السورية في اعتراض شحنات أسلحة يُعتقد أنها كانت متجهة إلى الحزب وتشديد الرقابة على طرق الإمداد.
وأبدى الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، في خطاب متلفز مطلع آب، استعداد الحزب للتواصل مع القيادة السورية الجديدة، مؤكداً أهمية إقامة علاقة وصفها بالأخوية والإيجابية والتعاونية بين لبنان وسوريا.
ويأتي هذا الموقف بعد تصريحات للرئيس السوري أحمد الشرع في حزيران، قال فيها إن دمشق مستعدة للحوار مع حزب الله إذا كان ذلك يخدم مصالح سوريا ولبنان.
وتعكس هذه التصريحات تحولاً لافتاً في مواقف الطرفين، خصوصاً أن حزب الله كان خلال سنوات الحرب السورية من أبرز الداعمين عسكرياً لنظام بشار الأسد، الذي خاض مواجهات واسعة مع الفصائل المعارضة التي باتت تتولى إدارة البلاد بعد سقوط النظام السابق.
ولا تزال هذه المرحلة تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في أي تقارب محتمل، إذ سبق للقيادة السورية الجديدة أن وصفت الدور الذي لعبه حزب الله خلال الحرب بأنه جزء من جراح لم تُغلق بعد.
المصالح تتقدم على الخلافات
رغم الإرث الثقيل بين الطرفين، تبدو الحسابات السياسية والأمنية الحالية أكثر تأثيراً في تحديد مواقف دمشق وبيروت.
وتسعى السلطات السورية إلى تثبيت موقعها الإقليمي وتعزيز علاقاتها مع مختلف الأطراف، مع الحفاظ على قنوات اتصال مع دول كانت حليفة للنظام السابق، في إطار سياسة تقوم على التعامل مع الملفات الخارجية وفق المصالح المباشرة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل التواصل مع حزب الله جزءاً من محاولة دمشق لعب دور سياسي في لبنان، خصوصاً مع تأكيدها دعم مؤسسات الدولة اللبنانية ورفض الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الحزب.
وترى دمشق أن التعامل مع ملف سلاح حزب الله يجب أن يتم عبر المسار السياسي، مع تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى اضطرابات داخل لبنان أو تنعكس أمنياً على الأراضي السورية.
وفي الوقت نفسه، تواصل السلطات السورية تعزيز انتشارها على الحدود مع لبنان، وتشدد إجراءات مكافحة التهريب ومنع انتقال الأسلحة والأفراد عبر الحدود، في مؤشر إلى أن أي انفتاح سياسي محتمل لا يعني بالضرورة تخفيف الإجراءات الأمنية.
حزب الله يبحث عن هامش حركة
يمثل الوضع السوري الجديد تحدياً كبيراً لحزب الله، بعدما فقد الحزب خلال السنوات الماضية طريق الإمداد الذي كان يربط إيران والعراق بلبنان عبر الأراضي السورية.
وأدى تشديد الرقابة على الحدود واعتراض شحنات أسلحة يُعتقد أنها كانت متجهة إلى الحزب إلى تضييق الخيارات المتاحة أمامه، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والسياسية التي يتعرض لها داخل لبنان.
وفي هذا السياق، قد يكون هدف الحزب من أي تفاهم مع دمشق الحصول على قدر أكبر من الحياد السوري تجاه الصراع الداخلي اللبناني، وضمان عدم استخدام الأراضي السورية في عمليات تستهدفه أو دعم إجراءات إقليمية ضده.
كما قد يسعى الحزب إلى منع إغلاق الحدود اللبنانية السورية بصورة كاملة، والحفاظ على الحد الأدنى من الحركة التجارية والاجتماعية والأمنية عبر المعابر الحدودية.
ولا تبدو إعادة فتح ممر الأسلحة السابق بين إيران ولبنان عبر سوريا هدفاً سهلاً في ظل السياسة الحالية لدمشق، خصوصاً أن السلطات السورية أظهرت استعداداً لمصادرة شحنات أسلحة وفرض قيود على عمليات التهريب.
إسرائيل في الحسابات السورية
وتضيف العلاقات الأمنية الناشئة بين دمشق وإسرائيل عاملاً آخر إلى معادلة العلاقة المحتملة مع حزب الله.
وتراقب قيادة الحزب أي تقارب بين دمشق وتل أبيب، خشية أن يتحول إلى تعاون أمني يستهدف وجوده أو يتيح تنفيذ عمليات ضده انطلاقاً من الأراضي السورية أو مجالها الجوي.
ومن المتوقع أن يكون موقف دمشق من أي عمليات إسرائيلية ضد الحزب أحد الملفات الحساسة في أي حوار محتمل، إلى جانب مستقبل الحدود السورية اللبنانية ومسألة التهريب وحركة السلاح.
في المقابل، قد ترى دمشق أن الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف يمنحها هامشاً أوسع للمناورة السياسية، من دون الالتزام بتحالفات عسكرية أو الدخول في مواجهة مباشرة مع أي طرف.
واشنطن أمام اختبار جديد
وتفرض احتمالات التقارب بين دمشق وحزب الله تحدياً إضافياً على السياسة الأميركية تجاه سوريا ولبنان.
فالولايات المتحدة تسعى إلى دعم الدولة اللبنانية وتعزيز قدرتها على ضبط السلاح، كما تضغط باتجاه الحد من قدرة حزب الله على إعادة بناء شبكاته العسكرية واللوجستية.
وفي حال قررت دمشق الحفاظ على موقف محايد تجاه الحزب بدلاً من المشاركة في إجراءات مباشرة ضده، فقد تجد واشنطن نفسها أمام حاجة لإعادة تقييم أدوات الضغط والتعاون مع القيادة السورية الجديدة.
ويرى مراقبون أن أي تفاهم بين دمشق وحزب الله لن يعني بالضرورة عودة العلاقة إلى ما كانت عليه قبل سقوط النظام السابق، لكنه قد يؤدي إلى صيغة محدودة تقوم على تبادل المصالح وتجنب المواجهة.
وفي هذه الحالة، قد تحصل دمشق على فرصة للعب دور سياسي أكبر في الملف اللبناني، بينما يسعى حزب الله إلى تخفيف الضغوط المحيطة به والحفاظ على بعض هامش الحركة.
وبذلك، قد لا تختفي الخلافات التي خلفتها سنوات الحرب السورية، لكنها قد تتراجع مؤقتاً أمام حسابات جديدة تفرضها التطورات الأمنية والسياسية في سوريا ولبنان والمنطقة.




