أخبــاربلاد المهجر

حرب الجسور والمصافي.. هل تقترب موسكو وكييف من الهدنة؟

تشهد الحرب الروسية الأوكرانية تصعيداً متزامناً مع تحركات دبلوماسية تسعى إلى فتح مسارات جديدة للتهدئة، وسط استمرار الضربات التي تستهدف البنية التحتية والمنشآت الحيوية، واتساع الخلاف بين موسكو وكييف بشأن شروط أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.

وفيما تتحرك الولايات المتحدة ووسطاء إقليميون لطرح صيغ مختلفة للتهدئة، تبرز البنية التحتية الاقتصادية واللوجستية باعتبارها إحدى أهم ساحات الضغط المتبادل، في ظل تصاعد الضربات الأوكرانية على منشآت الطاقة والتكرير الروسية، مقابل استهداف روسي للجسور ومحاور النقل داخل أوكرانيا.

وتزامن ذلك مع زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف، التي حملت تعهدات جديدة بتقديم دعم عسكري واقتصادي، في إشارة إلى استمرار انخراط برلين في دعم أوكرانيا رغم تصاعد الحديث عن فرص التوصل إلى هدنة.

مبادرات للتهدئة تصطدم بتعقيدات الميدان

لا تزال المبادرات المطروحة لوقف التصعيد تواجه صعوبات مرتبطة بالوضع الميداني وبالخلافات السياسية بين موسكو وكييف، خصوصاً في ملفات الأراضي والسيادة والضمانات الأمنية.

ويحذر دبلوماسيون أوكرانيون من أن أي هدنة لا تترافق مع آليات واضحة وقابلة للتنفيذ قد تتحول إلى توقف مؤقت للقتال، يمنح كل طرف فرصة لإعادة ترتيب قدراته والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة.

كما أن تعدد المبادرات لا يعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي، إذ يمكن أن تستخدم مقترحات وقف إطلاق النار ضمن أدوات التفاوض والضغط السياسي، في وقت تبقى فيه القرارات الأساسية مرتبطة بالتطورات العسكرية وقدرة كل طرف على تحسين موقعه قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.

أربعة مقترحات تركز على الطاقة والبحر الأسود

وتلقت كييف أربعة مقترحات منفصلة للتهدئة من الولايات المتحدة والهند وتركيا ومصر، تختلف في نطاقها وأولوياتها، لكنها تركز بصورة أساسية على الحد من بعض أشكال التصعيد بدلاً من الانتقال مباشرة إلى تسوية شاملة.

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن المقترح الهندي هو الأوسع نطاقاً، بينما تركز المبادرتان التركية والمصرية على خفض التصعيد في البحر الأسود، ويرتبط المقترح الأمريكي بوقف الهجمات على منشآت الطاقة.

وأبدت كييف استعدادها لهدنة متزامنة تشمل منشآت الطاقة والبحر الأسود، إلى جانب وقف إطلاق النار على طول الجبهة.

وتكتسب هدنة قطاع الطاقة أهمية خاصة بسبب ارتباطها المباشر بالتصعيد المتبادل، إذ تقول كييف إنها مستعدة لوقف استهداف المصافي الروسية مقابل وقف الهجمات على شبكة الطاقة الأوكرانية، بالتزامن مع بحث ترتيبات لحماية الملاحة والمنشآت المرتبطة بالموانئ في البحر الأسود.

«الجسور مقابل المصافي».. البنية التحتية تتحول إلى ساحة حرب

على الأرض، أصبحت البنية التحتية الاقتصادية واللوجستية جزءاً أساسياً من المواجهة، مع تصاعد الضربات المتبادلة بين الطرفين.

ففي الوقت الذي كثفت فيه أوكرانيا هجماتها على قطاع التكرير والطاقة الروسي، وسعت روسيا ضرباتها ضد الجسور ومحاور النقل داخل أوكرانيا، ولا سيما في العاصمة كييف، حيث تعرضت عدة جسور فوق نهر دنيبرو لأضرار خلال الفترة الأخيرة.

وأدت إحدى الضربات إلى إلحاق أضرار بالجسر الشمالي في كييف، ما تسبب في أضرار بالطريق وإصابة شخصين، بينما قالت موسكو إن الجسر يستخدم لنقل القوات والشحنات العسكرية. وجاء ذلك بعد هجمات أدت إلى إغلاق جزئي لثلاثة جسور في العاصمة.

في المقابل، تواصل كييف استهداف منشآت تكرير النفط الروسية، وتقول السلطات الأوكرانية إن هذه الضربات أثرت في جزء كبير من قدرات التكرير الروسية، وهي تقديرات لم يتم التحقق منها بصورة مستقلة بشكل كامل، بينما أقرت موسكو بوقوع أضرار اقتصادية نتيجة الهجمات.

ويرى محللون عسكريون أن استهداف المصافي يمكن أن يؤثر في القدرات اللوجستية الروسية، الأمر الذي يدفع موسكو إلى توسيع نطاق ضرباتها ضد البنية التحتية التي تعتبرها مرتبطة بحركة القوات والإمدادات الأوكرانية.

وتعكس هذه المعادلة اختلافاً في طبيعة الأهداف؛ إذ تنظر كييف إلى استهداف قطاع الطاقة الروسي باعتباره وسيلة ضغط بعيدة المدى، بينما تعتبر موسكو الجسور ومحاور النقل أهدافاً مرتبطة مباشرة بقدرة القوات الأوكرانية على تلقي الإمدادات والتحرك بين المناطق.

ويزيد استمرار هذا النمط من الضربات من صعوبة التوصل إلى اتفاقات قطاعية، لأن وقف استهداف منشأة من جانب واحد قد يُنظر إليه باعتباره تخلياً عن أداة ضغط ميدانية مهمة.

الاقتصاد جزء من المعركة

لم تعد الضربات على البنية التحتية تقتصر على بعدها العسكري، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة كل طرف على الحفاظ على اقتصاده وشبكات الإمداد خلال الحرب.

فتضرر الجسور يمكن أن يعقد نقل البضائع والمعدات ويزيد تكاليف إعادة الإعمار، بينما تؤدي الضربات على المصافي إلى الضغط على قطاع المحروقات الروسي ورفع كلفة الحفاظ على تدفق الوقود.

ويشكل هذا التشابك الاقتصادي والعسكري عقبة إضافية أمام أي اتفاق محدود لحماية منشآت الطاقة أو خطوط النقل، خصوصاً مع استخدام هذه المنشآت في الوقت نفسه لأغراض مدنية وعسكرية وكأدوات ضغط على الطرف الآخر.

ميرتس في كييف.. دعم عسكري واقتصادي جديد

وفي خضم التصعيد، جاءت زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف، حاملة حزمة جديدة من الدعم العسكري والاقتصادي.

وأعلنت ألمانيا عن دعم يتجاوز 1.3 مليار يورو، يشمل نحو مليار يورو للمساعدات العسكرية و350 مليون يورو لإصلاح البنية التحتية للطاقة والاستعداد لفصل الشتاء.

وتتضمن المساعدات العسكرية أسلحة بعيدة المدى ومسيّرات وتقنيات فضائية، إلى جانب توسيع التعاون في إنتاج مسيّرات اعتراضية لمواجهة المسيّرات الروسية.

كما وقعت شركات ألمانية وأوكرانية اتفاقات في مجالات الدفاع الجوي والرادارات والطاقة وإنتاج الأسلحة والمسيّرات، فيما تحدثت الرئاسة الأوكرانية عن اتفاقات ووثائق تتجاوز قيمتها الإجمالية 8.5 مليار يورو.

وتشير هذه التحركات إلى أن الدعم الألماني لا يقتصر على تلبية الاحتياجات العسكرية العاجلة، بل يتجه أيضاً إلى تعزيز القدرات الإنتاجية الأوكرانية في مجالات الدفاع والطاقة، بما يعكس توجهاً أوروبياً نحو دعم كييف على المدى الأطول.

برلين تعزز حضورها في الملف الأوكراني

ويعكس التحرك الألماني توجهاً نحو الجمع بين الدعم العسكري المباشر وتعزيز القدرات الصناعية والطاقة في أوكرانيا.

كما أن توسيع التعاون في إنتاج الأسلحة والمسيّرات والدفاع الجوي يضع ألمانيا في موقع أكثر حضوراً في إدارة الملف الأوكراني داخل أوروبا، مع انتقال الدعم تدريجياً من توريد الأسلحة إلى بناء قدرات إنتاجية مشتركة.

ويحمل استمرار هذا الدعم رسالة سياسية إلى موسكو مفادها أن الضربات الروسية ضد البنية التحتية لا تبدو كافية لدفع برلين وشركائها الأوروبيين إلى تقليص دعمهم لكييف.

واشنطن تحاول إعادة تحريك المسار الدبلوماسي

وفي موازاة الدعم الأوروبي والتصعيد الميداني، يستمر المسار الأمريكي في محاولة إعادة إطلاق الاتصالات بين أطراف الحرب.

وتحدث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن جهود أمريكية لترتيب لقاء ثلاثي فني يضم واشنطن وكييف وموسكو، في محاولة لدفع المفاوضات إلى مسار أكثر عملية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تتناقض فيه صورة الحرب على الأرض مع المسار الدبلوماسي؛ فبينما تبحث الأطراف عن هدنة في قطاع الطاقة والبحر الأسود وتناقش إمكان استئناف الاتصالات، تتواصل الضربات على الجسور والمنشآت النفطية وشبكات الطاقة.

وتكشف هذه المفارقة أن التحدي لا يتعلق فقط بإيجاد صيغة لوقف إطلاق النار، بل أيضاً بمدى استعداد موسكو وكييف للتخلي عن أدوات الضغط التي يستخدمها كل طرف لتحسين موقعه قبل أي تسوية سياسية.

وفي ظل استمرار الضربات وتعدد المبادرات، تبدو فرص الهدنة مرتبطة بقدرة الوسطاء على فصل الملفات الإنسانية والاقتصادية عن الحسابات العسكرية، والوصول إلى ترتيبات يمكن للطرفين الالتزام بها والتحقق من تنفيذها، بما يمنع تحول أي توقف مؤقت للقتال إلى مجرد مرحلة جديدة من الاستعداد للتصعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى