لوبان تشعل معركة دستورية.. استفتاء الهجرة يهز فرنسا

تعتزم مارين لوبان، مرشحة حزب “التجمع الوطني” اليميني، طرح استفتاء دستوري في حال فوزها بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، بهدف إدراج عدد من ركائز برنامج الحزب في الدستور، خصوصاً المتعلقة بالهجرة ومبدأ “الأولوية الوطنية”.
وتستند الخطة إلى مشروع يتألف من 14 مادة قدمها الحزب إلى الجمعية الوطنية عام 2024، ويتضمن إلغاء “حق الأرض”، ومنح المواطنين الفرنسيين أولوية في مجالات الوظائف والسكن والخدمات والمساعدات الاجتماعية، إلى جانب تشديد القيود على اللجوء وحقوق الأجانب.
وتصر لوبان على استخدام المادة 11 من الدستور الفرنسي لإجراء الاستفتاء، رغم اعتراض خبراء قانونيين يرون أن هذه المادة لا تُستخدم لتعديل الدستور، وأن المادة 89 هي المسار الدستوري المخصص لذلك.
وبموجب المادة 89، يتطلب تعديل الدستور موافقة الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ على النص قبل طرحه على الاستفتاء الشعبي. وتواجه لوبان احتمال عدم امتلاك الأغلبية البرلمانية اللازمة لتمرير مشروعها، ما يفسر تمسكها بالمسار الذي تنص عليه المادة 11.
ووصف الأمين العام السابق للمجلس الدستوري الفرنسي جان إيريك شوتل المقترح بأنه “انقلاب مزدوج، من حيث المضمون والشكل”، معتبراً أن استخدام المادة 11 لتعديل الدستور يمثل تحدياً للقواعد الدستورية المعمول بها.
ويستند مؤيدو هذا المسار إلى سابقة الرئيس الفرنسي شارل ديغول، الذي استخدم المادة 11 لتنظيم استفتاءين عامي 1962 و1969. لكن خبراء قانونيين يشيرون إلى أن الإطار السياسي والقانوني تغير منذ ذلك الحين، كما توسعت صلاحيات المجلس الدستوري في مراقبة إجراءات الاستفتاءات.
وفي حال رفض المجلس الدستوري المسار الذي تقترحه لوبان، تدرس قيادة “التجمع الوطني” بدائل أخرى. ويتمثل الخيار الأول في تعديل المادة 11 نفسها عبر الإجراءات المنصوص عليها في المادة 89، بما يتيح استخدام الاستفتاء في قضايا الهجرة.
أما الخيار الثاني فيتمثل في طرح دستور جديد بالكامل على الناخبين تحت مسمى “الجمهورية الخامسة الثانية”، وهو خيار من شأنه أن يتجاوز التعديلات الجزئية إلى إعادة صياغة الإطار الدستوري للدولة.
ويرى خبراء قانونيون أن تنفيذ هذه المقترحات قد يؤدي إلى تغييرات واسعة في طبيعة النظام السياسي الفرنسي، وليس مجرد تعديلات محدودة على بعض مواد الدستور.
وقال أستاذ القانون العام سيرج سلاما إن المشروع يمكن أن يؤدي عملياً إلى قيام “جمهورية جديدة”، رغم الإبقاء على الإطار العام للجمهورية الخامسة.
ولا تقتصر الخطة على ملف الهجرة، إذ يسعى المشروع أيضاً إلى تعزيز أولوية الدستور الفرنسي على بعض القواعد والالتزامات الدولية، ما قد يضع البلاد أمام خلافات مع قانون الاتحاد الأوروبي والاتفاقيات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان واللاجئين.
ويحذر خبراء من أن رفض الالتزام ببعض قواعد الاتحاد الأوروبي قد يفتح الباب أمام إجراءات قانونية وعقوبات مالية، بما في ذلك احتمال تعليق بعض التمويلات الأوروبية، في سيناريوهات سبق أن واجهت دولاً أخرى خلافات مماثلة مع مؤسسات الاتحاد.
في المقابل، يقلل “التجمع الوطني” من احتمالات حدوث مواجهة واسعة مع بروكسل، معتبراً أن ثقل فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي يمنحها هامشاً واسعاً للتفاوض بشأن أي خلافات مستقبلية.
ويثير المسار المقترح أيضاً نقاشاً أوسع حول حدود استخدام الاستفتاءات في فرنسا، إذ يخشى منتقدون من أن يؤدي اعتماد هذا الأسلوب إلى منح رؤساء الجمهورية مستقبلاً إمكانية تعديل قواعد دستورية أساسية عبر استفتاءات مباشرة، من دون المرور بالضوابط البرلمانية التقليدية المنصوص عليها في المادة 89.




