أخبــارتقاريرنبض الساعة

قنوات خلفية بين واشنطن وطهران.. نقوي يحاول إنقاذ التفاهمات

تتحرك إسلام آباد على أكثر من مسار دبلوماسي في محاولة للحفاظ على قنوات الاتصال بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت يواجه فيه مسار التفاوض تعثراً متزايداً، وسط مخاوف من انهيار التفاهمات المؤقتة التي جرى التوصل إليها خلال الأشهر الماضية.

وتبرز تحركات وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في هذا السياق، بعدما أصبح أحد أبرز المسؤولين المكلفين بإدارة الاتصالات الحساسة مع طهران، في ظل اعتماد باكستان بصورة متزايدة على قنوات غير معلنة لنقل الرسائل والمقترحات بين الطرفين.

وتأتي زيارة نقوي الأخيرة إلى طهران، وهي السادسة منذ اندلاع الأزمة وتصاعد المواجهات، في مرحلة حساسة من المسار الدبلوماسي، مع استمرار الخلافات بشأن شروط التهدئة، ومستقبل المفاوضات، وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

اتصالات تتجاوز القنوات التقليدية

استقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نقوي خلال زيارته الأخيرة، وأكد الجانبان أهمية العلاقات التاريخية بين البلدين وضرورة تطوير التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية.

ورغم الطابع الرسمي لهذه التصريحات، تركزت الاتصالات على قضايا أكثر حساسية، من بينها إمكانية استئناف المحادثات بين طهران وواشنطن، وآليات الحفاظ على التهدئة، إضافة إلى العراقيل التي حالت دون تثبيت التفاهمات السابقة بصورة كاملة.

وتسعى إسلام آباد، وفق معطيات دبلوماسية، إلى تشجيع طهران على إبداء قدر أكبر من المرونة بما يسمح بإعادة إطلاق المسار التفاوضي، بالتوازي مع محاولة معالجة الخلافات التي ظهرت خلال تنفيذ التفاهمات المؤقتة.

ولا تقتصر هذه الجهود على الاتصالات الرسمية، إذ تعتمد باكستان بصورة متزايدة على قنوات خلفية تسمح بنقل الرسائل الحساسة بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية.

نقوي.. قناة اتصال بين الطرفين

أصبح نقوي خلال الفترة الماضية إحدى القنوات الرئيسية التي تستخدمها إسلام آباد للتواصل مع الجانبين الأميركي والإيراني، مستفيداً من طبيعة موقعه السياسي وعلاقاته داخل مؤسسات الدولة الباكستانية.

ولا تقتصر مهمته على نقل الرسائل، بل تشمل الاستماع إلى مواقف الطرفين ومحاولة تحديد نقاط يمكن البناء عليها لاستئناف الحوار، خصوصاً في الملفات التي ازدادت تعقيداً مع استمرار التوتر العسكري والسياسي.

وتعكس الزيارات المتكررة إلى طهران رغبة باكستانية في منع انهيار الاتصالات بالكامل، حتى في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى اتفاق نهائي.

وتتعامل إسلام آباد مع استمرار التواصل باعتباره هدفاً بحد ذاته في المرحلة الحالية، انطلاقاً من أن الحفاظ على قنوات الحوار قد يوفر أساساً لاستئناف المفاوضات في حال تحسنت الظروف السياسية والأمنية.

تفاهمات هشة وخلافات متراكمة

كانت الوساطة الباكستانية قد ساهمت في التوصل إلى تفاهمات مؤقتة بين واشنطن وطهران خلال حزيران، إلا أن هذه التفاهمات واجهت لاحقاً صعوبات مرتبطة بالخروقات وتباين تفسير الالتزامات والجمود الذي أصاب المحادثات الفنية.

ومن هذا المنطلق، جاءت التحركات الباكستانية اللاحقة في محاولة لاحتواء الخلافات ومنع تحولها إلى قطيعة كاملة بين الطرفين.

وتقول إسلام آباد إن هدفها لا يتمثل في دفع أي طرف إلى تقديم تنازلات منفردة، وإنما توفير مساحة تسمح بمناقشة القضايا الأكثر حساسية بصورة تدريجية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم الذي يمنع العودة إلى مواجهة مفتوحة.

ويضع هذا الدور الوساطة الباكستانية أمام مهمة معقدة، لأن نجاحها لا يرتبط فقط بقدرتها على جمع الطرفين، بل بقدرتها على تحويل الاتصالات غير المعلنة إلى تفاهمات يمكن تنفيذها على الأرض.

علاقات مع واشنطن وطهران

تستند الوساطة الباكستانية إلى خصوصية علاقات إسلام آباد مع طرفي الأزمة.

فباكستان ترتبط بإيران بعلاقات جغرافية وتاريخية، إضافة إلى مصالح أمنية واقتصادية مشتركة، بينما تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات سياسية وأمنية مع الولايات المتحدة.

وتمنح هذه المعادلة إسلام آباد هامشاً للتحرك بين الطرفين من دون أن تُصنف بصورة مباشرة كطرف في النزاع.

كما ساعدت الاتصالات السابقة بين مسؤولين باكستانيين وأميركيين على تعزيز قنوات التواصل، وهو ما جعل إسلام آباد إحدى العواصم التي تستطيع نقل الرسائل بين واشنطن وطهران في وقت تتراجع فيه فعالية بعض القنوات التقليدية.

وتزايد اعتماد الحكومة الباكستانية على نقوي في إدارة هذا المسار، خصوصاً في الملفات التي تتطلب درجة عالية من السرية والمرونة السياسية.

هرمز.. عقدة أساسية في المفاوضات

أصبح مضيق هرمز أحد الملفات التي يصعب فصلها عن مستقبل التفاهمات الأميركية الإيرانية، نظراً إلى ارتباطه بأمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية، فضلاً عن علاقته المباشرة بحسابات الضغط العسكري والاقتصادي بين الطرفين.

وتواجه الوساطة الباكستانية هنا مسارين متداخلين: الأول يتعلق بإعادة إطلاق المفاوضات والحفاظ على التهدئة، والثاني يرتبط بأمن الملاحة في المضيق ومنع تحوله إلى بؤرة جديدة للتصعيد.

وتسعى إسلام آباد إلى إبقاء قضية هرمز ضمن إطار الاتصالات السياسية والفنية، بدلاً من السماح بتحولها إلى مواجهة عسكرية جديدة قد تؤثر في مجمل المسار التفاوضي.

وقد يشكل تحقيق تقدم في ترتيبات الملاحة عاملاً مساعداً على تهيئة ظروف أفضل لاستئناف الحوار، في حين أن أي تصعيد في المضيق قد يعيد التوتر إلى نقطة الصفر.

تباين حول مستقبل الهدنة

وتزامنت التحركات الباكستانية مع تباين في المواقف بشأن مستقبل التفاهمات المؤقتة وفترة التهدئة.

ففي الوقت الذي أكدت فيه إسلام آباد أن مسار الوساطة لا يزال قائماً، وأن بالإمكان تمديد فترة التهدئة المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، ظهرت من الجانب الإيراني تصريحات تنفي وجود نقاشات بشأن تمديد وقف إطلاق النار.

ويكشف هذا التباين عن إحدى أبرز مشكلات الوساطة الحالية، وهي غياب اتفاق واضح بين الطرفين على تفسير ما تم التوصل إليه سابقاً وحدود الالتزامات المترتبة عليه.

ومع ذلك، تؤكد باكستان استمرار جهودها لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض ومنع الأطراف التي قد تستفيد من انهيار المسار السياسي من عرقلته.

كما تؤكد طهران استمرار التواصل مع واشنطن عبر الوسطاء، إلى جانب تمسكها بمواصلة النقاش بشأن ملف مضيق هرمز.

اختبار حاسم للوساطة

لا تعني الزيارة السادسة لنقوي إلى طهران أن اتفاقاً نهائياً بين واشنطن وطهران أصبح قريباً، لكنها تؤكد استمرار قناة الوساطة الباكستانية كأحد المسارات المتاحة للحفاظ على التواصل ومنع انهيار التفاهمات المؤقتة.

وتواجه إسلام آباد اختباراً مزدوجاً خلال المرحلة المقبلة: إعادة الطرفين إلى مسار تفاوضي قابل للاستمرار، وتحويل الاتصالات الخلفية إلى ترتيبات واضحة يمكن تنفيذها، خصوصاً في ملفات وقف إطلاق النار وأمن الملاحة ومضيق هرمز.

ومن المرجح أن تواصل باكستان الاعتماد على القنوات غير المعلنة، باعتبارها أكثر قدرة على استيعاب الرسائل الحساسة والمقترحات التي قد يصعب طرحها عبر المنابر الرسمية.

لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بمدى استعداد واشنطن وطهران لتقديم تنازلات متبادلة، وبقدرتهما على الفصل بين الملفات الخلافية ومنع أي حادث أمني جديد من تقويض الاتصالات.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو مهمة الوساطة الباكستانية في المرحلة الحالية أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى تحقيق تسوية شاملة. فالحفاظ على قنوات الاتصال قد يكون، في حد ذاته، الخطوة الأهم لتجنب عودة التصعيد وتهيئة الظروف أمام مفاوضات جديدة في وقت لاحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى