“جيش حزب الله الصغير”.. ماذا يحدث في المعسكرات؟

تثير أنشطة «كشافة الإمام المهدي» التابعة لحزب الله جدلاً في لبنان، على خلفية اتهامات باستخدام المعسكرات الصيفية والبرامج الكشفية في استقطاب الأطفال والشبان وتعريفهم بأفكار الحزب، وصولاً إلى تدريبات ذات طابع عسكري للفئات العمرية الأكبر.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تتواصل فيه الجهود السياسية الرامية إلى تثبيت اتفاق بين لبنان وإسرائيل وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وسط نقاش متزايد حول مستقبل حزب الله ودوره العسكري.
وتأسست «كشافة الإمام المهدي» في ثمانينيات القرن الماضي، وحصلت على اعتراف رسمي في لبنان مطلع التسعينيات. وتقدم المجموعة أنشطتها باعتبارها جزءاً من العمل الكشفي والاجتماعي، وتشمل برامجها أنشطة رياضية وترفيهية وخدمات اجتماعية ومخيمات صيفية.
من النشاط الكشفي إلى التدريب العسكري
تختلف طبيعة البرامج المقدمة بحسب الفئات العمرية، إذ تشمل أنشطة الأطفال الأصغر سناً الألعاب والرياضة والعمل الجماعي، بينما تتضمن برامج الفئات الأكبر أنشطة اجتماعية وتثقيفية مرتبطة بثقافة الحزب ومفهوم «المقاومة».
وتشير تقارير إلى أن بعض المراهقين الذين يبلغون 16 عاماً يمكن أن يشاركوا في برامج تتناول مبادئ مرتبطة بالأسلحة، مع تدريبات أكثر تخصصاً للفئات الأكبر سناً.
كما تنظم المجموعة فعاليات لتكريم أفراد سابقين انتقلوا لاحقاً إلى صفوف حزب الله وقُتلوا خلال المواجهات المسلحة، في إطار ما تصفه المجموعة بتخليد «الشهداء» وتسليط الضوء على مسيرتهم.
وتشير مواد منشورة على منصات تابعة للمجموعة إلى حضور مفاهيم مثل «المقاومة» و«التضحية» و«الشهادة» في بعض برامجها ومنشوراتها الموجهة إلى الأطفال والشبان، بما في ذلك مواد مصممة لفئات عمرية مختلفة.
وتتضمن بعض المنشورات رسومات وأنشطة تعليمية تستخدم رموزاً مرتبطة بالسلاح والصراع مع إسرائيل، بينما تتناول مواد أخرى مفهوم «الشهادة» وتستعرض مراسم تشييع قتلى الحزب.
أعداد كبيرة وبرامج واسعة
تقدم «كشافة الإمام المهدي» نفسها كمنظمة كشفية ذات نشاط واسع، فيما تشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المنتسبين إليها يصل إلى عشرات الآلاف.
وفي السنوات الماضية، أقامت المجموعة فعاليات جماهيرية كبيرة في لبنان، شارك فيها آلاف الكشفيين، كما نظمت أنشطة خارج البلاد، من بينها زيارات إلى إيران للمشاركة في مناسبات دينية وسياسية.
ويرى منتقدو هذه الأنشطة أن الانتقال من العمل الكشفي والاجتماعي إلى غرس مفاهيم مرتبطة بالصراع المسلح قد يوفر قناة مبكرة لاستقطاب عناصر جديدة إلى صفوف الحزب.
في المقابل، لا تقدم الأرقام المتداولة حول عدد المنتسبين أو الذين انتقلوا لاحقاً إلى العمل العسكري صورة إحصائية مستقلة يمكن من خلالها تحديد حجم هذه الظاهرة بدقة.
ملف نزع السلاح
ويكتسب الجدل حول المجموعة أهمية إضافية في ظل المساعي اللبنانية والدولية الرامية إلى تنفيذ ترتيبات تتعلق بسلاح حزب الله، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على فرض سلطتها في مختلف المناطق.
وتواجه الحكومة اللبنانية تحدياً يتمثل في توسيع حضور مؤسساتها، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية الشيعية، التي يمتلك فيها حزب الله حضوراً اجتماعياً وسياسياً وخدماتياً واسعاً.
ويرى منتقدون أن معالجة الجانب العسكري من نشاط الحزب لن تكون كافية، إذا بقيت المؤسسات المرتبطة به قادرة على استقطاب أجيال جديدة عبر النشاطات الاجتماعية والكشفية والتعليمية.
في المقابل، فإن أي قرار يتعلق بحظر المجموعة أو تقييد نشاطها سيكون ذا أبعاد قانونية وسياسية واجتماعية، وقد يفتح نقاشاً أوسع حول حدود العمل الكشفي والأنشطة الشبابية المرتبطة بالأحزاب السياسية.
ارتباطات خارجية
وتعلن «كشافة الإمام المهدي» التزامها بولاية الفقيه، وترتبط فكرياً وسياسياً بالمؤسسات الدينية والسياسية التابعة للتيار الذي يقوده المرشد الإيراني.
كما يشير منتقدو المجموعة إلى علاقاتها مع مؤسسات كشفية في لبنان، وإلى وجودها ضمن الإطار العام للحركة الكشفية اللبنانية، الأمر الذي أثار دعوات إلى مراجعة طبيعة هذه العلاقات والجهات المرتبطة بها.
وفي المقابل، فإن أي إجراءات تستهدف المجموعة تحتاج إلى تمييز واضح بين الأنشطة الكشفية والاجتماعية وبين أي أنشطة عسكرية أو حزبية، خصوصاً في ظل حساسية الملف داخل لبنان.
بين تفكيك السلاح وتغيير البيئة الاجتماعية
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن مستقبل حزب الله لا يرتبط فقط بمصير ترسانته العسكرية، بل يمتد إلى شبكة واسعة من المؤسسات والأنشطة الاجتماعية والكشفية التي بنت حضوراً طويل الأمد داخل المجتمع.
وتطرح هذه المعطيات سؤالاً أوسع أمام الدولة اللبنانية وشركائها الدوليين: هل يمكن تنفيذ عملية نزع السلاح بمعزل عن إعادة تنظيم المؤسسات المرتبطة بالحزب، أم أن معالجة الملف تحتاج إلى مسار سياسي واجتماعي طويل يترافق مع تعزيز مؤسسات الدولة؟
ويبقى التعامل مع «كشافة الإمام المهدي» جزءاً من هذا النقاش، في ظل استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وتقليص الدور العسكري لحزب الله، بينما تظل طبيعة الإجراءات التي يمكن اتخاذها بحق المؤسسات التابعة للحزب موضع جدل سياسي وقانوني.




