تحوّل استراتيجي يعيد رسم ملامح الجزيرة السورية
خاص – نبض الشام
لم تكن سيطرة الجيش السوري على سد تشرين وبدء انتشاره الواسع في منطقة الجزيرة السورية حدثاً عسكرياً عابراً، بل لحظة سياسية واقتصادية مفصلية في مسار استعادة الدولة لوحدتها وسيادتها. فالجزيرة التي امتدت لسنوات خارج سلطة دمشق تحولت إلى مركز ثقل متشابك فيه الأمن بالثروة بالطموحات الانفصالية، ومع دخول الجيش إليها بموجب اتفاق مبدئي على وقف إطلاق النار ودمج مؤسسات “قسد”، بدأت مرحلة جديدة تحمل دلالات عميقة على مستقبل البلاد.
من الناحية الاستراتيجية، تمثل الجزيرة العمق الجغرافي الشرقي لسوريا، والبوابة الأوسع على الحدود العراقية، وهي مساحة كانت لسنوات مسرحاً لتقاطع نفوذ دولي وإقليمي. عودة الجيش إلى هذه الرقعة تعني عملياً إنهاء واحدة من أخطر بؤر الانقسام التي فرضت واقعاً موازياً للدولة، وأوجدت سلطات إدارية وعسكرية خارج الإطار الوطني. ومع انتشار القوات النظامية في الرقة ودير الزور ومشارف الحسكة، تتكرّس معادلة احتكار الدولة للسلاح وضبط المجال الأمني، وهو عامل حاسم في منع عودة الفوضى أو استغلال التنظيمات المتطرفة لأي فراغ جديد.
أما اقتصادياً، فإن أهمية الخطوة تتجاوز السيطرة الميدانية إلى استعادة شريان الطاقة الوطني. فحقول النفط والغاز في دير الزور والحسكة كانت طوال السنوات الماضية خارج إدارة الدولة، ما حرم الخزينة من موارد حيوية وأسهم في تعميق الأزمة المعيشية. إعادة هذه الثروات إلى المؤسسات الرسمية تفتح الباب أمام تحسين الإيرادات العامة وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، كما تمنح الحكومة قدرة أكبر على إدارة الملف الخدمي في المحافظات الشرقية التي عانت من تهميش مزدوج: سياسي وأمني واقتصادي.
سياسياً، يحمل الاتفاق رسائل داخلية وخارجية في آنٍ معاً. داخلياً، يؤسس لطي صفحة نموذج الإدارات الموازية ويعيد دمج المكونات المحلية ضمن بنية الدولة، خصوصاً مع صدور مراسيم تعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد السوريين، ما يشكل محاولة لمعالجة جذور التوتر عبر أدوات قانونية لا عسكرية فقط. وخارجياً، فإن موجة الترحيب العربي والدولي تعكس تحولاً في النظرة إلى وحدة سوريا، باعتبارها أولوية للاستقرار الإقليمي، وتراجعاً ضمنياً لدعم مشاريع التقسيم أو الحكم الذاتي المسلح.
ورغم المشهد الإيجابي العام، فإن الأيام الأولى كشفت هشاشة المرحلة الانتقالية، مع استمرار مجموعات من “قسد” في استهداف المدنيين وعرقلة تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى الفوضى المرتبطة بملف السجون التي تضم عناصر من تنظيم “داعش”. هذه التطورات تؤكد أن استعادة السيطرة لا تكتمل بمجرد الانتشار العسكري، بل تحتاج إلى تثبيت أمني وإداري سريع يمنع الانفلات ويطمئن السكان المحليين الذين دفعوا كلفة الصراع لسنوات.
في المحصلة، فإن عودة الجزيرة إلى كنف الدولة تمثل نقطة تحول في خريطة النفوذ داخل سوريا، وتعيد التوازن بين المركز والأطراف، وتفتح باباً واسعاً أمام مرحلة إعادة البناء السياسي والمؤسساتي. وإذا نجحت دمشق في تحويل هذا الإنجاز إلى استقرار دائم وتنمية حقيقية، فإن الجزيرة لن تكون مجرد منطقة مستعادة، بل قاعدة انطلاق نحو ترسيخ وحدة البلاد واستعادة دور الدولة على كامل الجغرافيا السورية.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




