بوصلة الشامتقاريرنبض الساعةنبض خاصهيدلاينز

من رماد الحرائق إلى خضرة الأمل.. خطة سورية لإحياء غابات اللاذقية

خاص – نبض الشام

تسببت الحرائق الواسعة التي اجتاحت ريف اللاذقية الشمالي مؤخراً في تدمير آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، محدثة خسائر بيئية وزراعية وسياحية جسيمة. ومع انقشاع الدخان، أطلقت وزارة الزراعة السورية خطة شاملة لإعادة إحياء الغطاء النباتي، تجمع بين التدخل المباشر والتجدد الطبيعي، وتستهدف حماية التنوع الحيوي والمجتمعات المحلية المتضررة. هذه الجهود تمثل بداية مسار طويل نحو استعادة ما التهمته النيران وحماية البيئة من كوارث مستقبلية.

خسائر الحريق وتحدي الإعمار البيئي
أحدثت الحرائق التي اندلعت في ريف اللاذقية الشمالي بين 3 و15 يوليو الفائت دماراً واسعاً، إذ أتت على أكثر من 16 ألف هكتار من الغابات الحراجية، بينها 2200 هكتار من الأراضي الزراعية، وألحقت الضرر بـ 45 قرية. واجهت فرق الإطفاء والدفاع المدني صعوبات بالغة في السيطرة على النيران بسبب الألغام ومخلفات الحرب، والرياح القوية متبدلة الاتجاه، ووعورة التضاريس، إلى جانب غياب خطوط الفصل الناري نتيجة الإهمال الطويل. وساهمت فرق إطفاء من تركيا والأردن والعراق ولبنان وقطر في عمليات الإخماد.

خطط عاجلة وطويلة الأمد
مدير الحراج في وزارة الزراعة، المهندس مجد سليمان، أوضح أن لجاناً فنية متخصصة من خبراء وأكاديميين حراجيين جرى تشكيلها لتقييم الأضرار ووضع خطط استعادة النظم البيئية. وتشمل الإجراءات العاجلة زراعة أنواع حراجية ملائمة بيئياً ومتعددة الأغراض مثل الخرنوب، السماق، البطم، والغار، قرب القرى المتضررة، ضمن نهج تشاركي مع المجتمع المحلي.
أما على المدى البعيد، فتركز الجهود على حماية المواقع المحروقة وتركها للتجدد الطبيعي، خاصة مع وجود الحمل البذري لأنواع المخروطيات كالصنوبر والبيوتي، مع حماية الغراس من القطع، وصون التنوع البيولوجي والمياه الجوفية والتربة من الانجراف.

تنوع وراثي غني وخطط للتجدد
تضم مناطق الحرائق نحو 630 طرازاً وراثياً نباتياً، ما دفع الوزارة لجمع البذور من الأشجار السليمة في مواقع الحريق أو القريبة منه لضمان الحفاظ على هذا التنوع. وتحدد التدخلات اللاحقة بناءً على حالة الغطاء النباتي: فإذا كان ضعيفاً تُعطى فرصة أكبر للتجدد الطبيعي مع إبقاء الجذوع، وإذا كان نمو الأنواع أكبر من السائد تُستخدم طرق نثر البذور أو زراعة الغراس المناسبة.

التجدد الطبيعي وإنتاج الغراس
أكد سليمان أن الغطاء الحراجي قادر على استعادة نفسه إذا كانت شدة الحريق متوسطة، عبر إنبات البذور في الفرشة الغابية أو البصيلات والريزومات. أما في حالات الحريق الشديد، فيتم التدخل بنثر البذور أو باستخدام كرات الطين. وتشمل خطة الوزارة للموسم 2025–2026 استصلاح 1000 هكتار وزراعة أكثر من 53 نوعاً حراجياً، مع دعم الفرق الحراجية بالتدريب والعمال والمعدات.

أثر بيئي وسياحي واقتصادي
رئيس دائرة التنوع الحيوي، المهندس عمر زريق، بيّن أن الفرق نجحت في حماية محمية الفرنلق الغنية بأنواع السنديانيات النادرة، لكن الحرائق ألحقت أضراراً جسيمة بالسياحة البيئية في الساحل السوري، وخسرت المنطقة مراعي النحل والنباتات الطبية والعطرية ومصادر دخل للمجتمعات المحلية. كما تسببت بنفوق كائنات حية بطيئة الحركة وهجرة الأنواع السريعة، وتضررت خدمات حيوية مثل الكهرباء والمياه.

تداعيات بيئية خطيرة
رئيس دائرة الحماية، المهندس مهيدي اليوسف، أوضح أن النيران رفعت منسوب ثاني أوكسيد الكربون، وأتلفت أشجاراً معمرة، وزادت معدلات التعرية، وأدت لغياب التنوع الحيوي. كما لحقت أضرار بالمستلزمات الخدمية للسكان.

المجتمع المحلي في خط المواجهة
أكد اليوسف أهمية وعي المجتمع المحلي في التبليغ السريع والمشاركة في الإطفاء وتقديم الدعم اللوجستي، مشيداً بدور الأهالي في تشكيل لجان محلية لمساندة فرق الإطفاء والدفاع المدني، وتقديم مساعدات صحية وغذائية، وإرشاد الفرق خلال عمليات شق الطرق الحراجية وإخماد النيران.

إحصائيات الحرائق في سوريا
وفق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، استجابت فرق الإطفاء لأكثر من 4000 حريق بين إبريل و7 يوليو، منها 2054 حريقاً حراجياً وزراعياً. سجلت اللاذقية أكبر عدد من الحرائق الحراجية والزراعية بـ 441 حريقاً، تلتها طرطوس بـ 308.

حرائق اللاذقية الأخيرة لم تكن مجرد كارثة بيئية آنية، بل إن آثارها ستستمر لسنوات ما لم تُنفذ الخطط الموضوعة بحزم وتعاون مجتمعي واسع. وبين جهود وزارة الزراعة للتجدد الطبيعي والتحريج الاصطناعي، ودور الأهالي في الحماية، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان استدامة الغطاء النباتي وحماية التنوع البيئي، بما يضمن للأجيال القادمة بيئة سليمة وغابات نابضة بالحياة.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى